بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي 1.6 تريليون دولار خلال 2025، بزيادة 6%، لكن تعافي التدفقات لا يعني اتساعًا مماثلًا في المشاريع الإنتاجية الجديدة، في ظل تركز رؤوس الأموال وتزايد تأثير التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية في قرارات المستثمرين. وفي هذا السياق، شارك المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، رفقة سفير الجزائر لدى دولة قطر، صالح عطية، في افتتاح الطبعة التاسعة من المنتدى العالمي للاستثمار 2026، المنعقدة بالدوحة من 25 إلى 27 أكتوبر، في وقت تتجه فيه المنافسة الدولية إلى استقطاب الاستثمارات القادرة على بناء قدرات إنتاجية ونقل التكنولوجيا والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وتكتسب المشاركة الجزائرية أهمية اقتصادية بالنظر إلى جدول أعمال المنتدى، الذي تنظمه الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» تحت شعار «الاستثمار في المستقبل»، بمشاركة مسؤولين حكوميين ومستثمرين ومؤسسات مالية واقتصادية دولية. ويتناول المنتدى مستقبل تدفقات الاستثمار في ظل اضطراب سلاسل الإمداد، وتغير خريطة الإنتاج العالمي، وتزايد الاعتبارات المرتبطة بالتكنولوجيا والاستدامة والأمن الاقتصادي.
وشارك ركاش، إلى جانب السفير الجزائري، في جلسة نقاش بعنوان «إعادة بناء سلاسل القيمة العالمية من أجل النمو والقدرة على الصمود»، التي بحثت التحولات في شبكات الإنتاج والتوريد والتجارة الدولية وتأثيرها على قرارات الاستثمار، والفرص المتاحة أمام الاقتصادات الوطنية لتعزيز موقعها داخل هذه الشبكات.
سوق عالمية بـ1.6 تريليون دولار.. لكن المشاريع الجديدة تتراجع
تعكس المؤشرات التي نشرتها الأونكتاد يوم 25 أكتوبر مفارقة مهمة في سوق الاستثمار الدولي: فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 37% مقارنة بمتوسط المستوى نصف السنوي المسجل في 2025، لكن عدد المشاريع الجديدة المعلنة واصل التراجع. وتركز جزء مهم من الانتعاش في الاقتصادات المتقدمة، ما يكشف أن ارتفاع القيمة المالية للتدفقات لا يعني بالضرورة توسعًا متوازنًا في الاستثمار المنتج عبر مختلف الاقتصادات.
وتؤكد الأونكتاد أن المنافسة على الاستثمار أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بطبيعة المشاريع والقطاعات التي تستقطبها الدول. ففي تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026، استحوذت أكبر 20 دولة مستقبلة على أكثر من 80% من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي، بينما ارتفعت حصة القطاعات الاستراتيجية من القيمة الإجمالية للمشاريع الاستثمارية الجديدة من 16% في 2020 إلى 44%، في تحول يعكس تصاعد أهمية الأنشطة ذات الصلة بالبنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا والقطاعات الحيوية.
وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي أن تسجل دولة ما عددًا كبيرًا من المشاريع أو أن تعلن عن فرص استثمارية؛ فالتحدي يتمثل في إقناع المستثمر بتوطين نشاط إنتاجي فعلي، وبناء علاقات مع الموردين المحليين، وتطوير القدرات البشرية، وربط الإنتاج بالأسواق الإقليمية والدولية.
ومن هنا تبرز أهمية جلسة سلاسل القيمة العالمية بالنسبة إلى الجزائر. فاندماج الاقتصاد في هذه السلاسل يمكن أن يمنح المشاريع المحلية فرصًا للوصول إلى شبكات الإنتاج والتوريد العابرة للحدود، لكنه يتطلب استثمارات ترفع القيمة المضافة داخل البلاد، وتطور المناولة الصناعية، وتدعم نقل التكنولوجيا والمهارات، بدل الاقتصار على أنشطة محدودة الأثر في الإنتاج والتصدير.
مشاريع الجزائر المسجلة.. الاختبار هو الانتقال إلى الإنجاز والاستغلال
تدخل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار هذا النقاش الدولي مستندة إلى قاعدة من المشاريع المسجلة تسعى السلطات إلى تحويلها إلى نشاط اقتصادي فعلي. ووفق الحصيلة التي نشرتها الوكالة في ديسمبر 2025، بلغ عدد المشاريع الاستثمارية المسجلة منذ إنشائها 19,054 مشروعًا، بقيمة إجمالية مصرّح بها قدرها 8,242 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 61 مليار دولار، مع توقع توفير قرابة 470 ألف منصب عمل مباشر. وهذه الأرقام تخص المشاريع المسجلة وقيمها المصرّح بها، ولا تمثل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المحققة فعليًا. <Cite refs=
وتكشف بيانات المتابعة المنشورة في الحصيلة نفسها عن أهمية التمييز بين تسجيل المشروع وتجسيده. فمن بين 9,026 مشروعًا أودع أصحابها وضعيات تقدم الإنجاز، كان 4,904 مشاريع قيد الإنجاز، أي 54%، فيما بلغ عدد المشاريع المكتملة 1,237 مشروعًا، دخل منها 1,087 مشروعًا حيز الاستغلال. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بالمشاريع التي أودعت وضعيات تقدمها وفق الحصيلة المنشورة في نهاية 2025، ولا يجوز تعميم نسبها على إجمالي المشاريع المسجلة.
وتضع هذه المؤشرات متابعة التنفيذ في صلب معادلة الاستثمار الجزائرية: فالقيمة المصرح بها للمشاريع تعطي صورة عن حجم الحافظة الاستثمارية، بينما يبيّن الدخول في الإنجاز ثم الاستغلال مدى تحولها إلى مصانع وخدمات وإنتاج ومناصب عمل فعلية.
وهنا يمكن أن يؤدي التواصل مع المؤسسات الدولية والمستثمرين والهيئات المعنية بترقية الاستثمار دورًا في استكشاف الشراكات والفرص، شريطة أن يتبعه عمل عملي لتحديد المستثمرين المستهدفين، وربطهم بالمشاريع والقطاعات ذات الأولوية، ومرافقة مسار اتخاذ القرار والاستثمار، ثم متابعة انتقال المشاريع إلى الإنتاج.
من الحضور الدولي إلى الشراكات الإنتاجية
تتيح مشاركة الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في المنتدى العالمي فرصة للاطلاع على التوجهات الجديدة في سياسات جذب رأس المال، وتوسيع التواصل مع الجهات الفاعلة في الاستثمار الدولي، ومناقشة كيفية تعزيز موقع الاقتصادات الوطنية في سلاسل الإنتاج العالمية. غير أن المردود الاقتصادي لمثل هذه المشاركات لا يقاس بمجرد الحضور، بل بما يمكن أن ينتج عنها من اتصالات استثمارية قابلة للتطوير، وشراكات محددة، ومشاريع تضيف قيمة إلى الاقتصاد الوطني.
وبالنسبة إلى الجزائر، يرتبط الرهان باستقطاب استثمارات نوعية تدعم الإنتاج المحلي، وتزيد مستويات الإدماج الصناعي، وتنقل التكنولوجيا، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات الجزائرية. كما يتطلب ذلك متابعة دقيقة للمشاريع المسجلة، وتذليل العراقيل التي تعترض الإنجاز، وربط احتياجات المستثمرين بالعقار الاقتصادي والتمويل واليد العاملة المؤهلة والبنية التحتية اللازمة.
ويضع السياق الدولي الحالي هذا التحدي في مقدمة الأولويات: رؤوس الأموال العالمية تتحرك، لكن المشاريع الجديدة لا تتوسع بالوتيرة نفسها، كما تزداد حصة القطاعات الاستراتيجية في الاستثمار. لذلك، فإن الرهان الاقتصادي للجزائر في منتدى الدوحة يتمثل في تعزيز قدرتها على استقطاب مشاريع تدخل فعليًا في منظومات الإنتاج والتوريد، لا الاكتفاء بجذب الاهتمام الأولي.
وتبقى النتيجة التي تستحق المتابعة بعد المنتدى هي ما إذا كانت المشاركة ستفضي إلى شراكات أو مشاريع محددة، وما القطاعات التي يمكن أن تستقطب استثمارات ذات قيمة مضافة، وكيف يمكن تحويل الحافظة المسجلة إلى طاقات إنتاجية ومناصب عمل وصادرات. فهذه المؤشرات، لا عدد اللقاءات أو المشاركات الدولية وحده، هي التي ستحدد الأثر الاقتصادي الملموس لجهود ترقية الاستثمار.
وردة جزائري




