لا يمكن قراءة المسودة الأمريكية بمعزل عن السياق الدبلوماسي الذي سبق طرحها، ولا عن التحركات التي واصلت جبهة البوليساريو القيام بها للدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير داخل الأمم المتحدة وعلى الساحة الدولية. فقد أظهرت المواقف الداعمة لاستمرار المسار الأممي، والتمسك بمكانة الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أن الملف لم يُحسم دبلوماسيًا لمصلحة الطرح المغربي، رغم محاولات تقديم مقترح الحكم الذاتي باعتباره المخرج الوحيد للنزاع.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المسودة الأمريكية باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب الإطار التفاوضي في مرحلة لم تنتهِ فيها المعركة الدبلوماسية، ولم يتحقق فيها توافق نهائي بشأن مستقبل الإقليم. فبدل أن تعكس الصياغة المقترحة انفتاحًا أوسع على خيارات التسوية، تتجه، وفق ما أوردته التقارير بشأن نسختها الأولية، إلى تضييق مجال التفاوض حول مقترح الحكم الذاتي، بالتوازي مع طرح تغييرات جوهرية على مستقبل بعثة المينورسو.
موقف البوليساريو رفض المسودة والتحذير من المساس بتقرير المصير
وفي موقف رسمي واضح، رفضت جبهة البوليساريو المسودة الأمريكية الأولية، معتبرة أنها تمثل انحرافًا خطيرًا وغير مسبوق عن المبادئ القانونية الدولية التي تؤطر قضية الصحراء الغربية باعتبارها مسألة تصفية استعمار، كما رأت أنها تمس الأسس التي قام عليها المسار الأممي لحل النزاع.
وفي رسالة وجّهها ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة ومنسقها مع بعثة المينورسو، سيدي محمد عمار، إلى رئيسة مجلس الأمن ، شددت البوليساريو على أن الإطار الأممي لا يقتصر على القرار 2797، بل يستند إلى مجموع القرارات ذات الصلة بقضية الصحراء الغربية.
واعترضت الجبهة على أي تغيير أحادي في طبيعة المينورسو ومهمتها، محذرة من أن تعديل ولايتها بما يتماشى مع الموقف المغربي من شأنه تقويض الأساس الذي قامت عليه جهود الأمم المتحدة، في وقت لم يتم فيه التوصل إلى تسوية نهائية متوافق عليها.
وذهبت البوليساريو أبعد من ذلك، إذ أكدت أن المسودة بصيغتها الحالية لا يمكن أن تشكل أساسًا للمداولات بشأن المينورسو أو عملية السلام، محذرة من أنها ستضطر إلى الانسحاب من العملية السياسية برمتها إذا اعتُمد النص من دون إدخال تغييرات جوهرية وذات معنى.
ويعكس هذا الموقف تمسك الجبهة بخطوطها الحمراء، وفي مقدمتها رفض تحديد نتيجة المفاوضات مسبقًا أو حصرها في إطار ينتقص من حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال. كما وجّهت دعوة إلى أعضاء مجلس الأمن والجهات المعنية لاستخدام نفوذهم من أجل حماية المسار الأممي والحيلولة دون تقويض أسسه.
هل تدفع المكاسب الدبلوماسية إلى إعادة ترتيب الحسابات الأمريكية
ويطرح هذا التطور تساؤلًا سياسيًا مهمًا هل تسعى واشنطن إلى دفع العملية الأممية نحو إطار جديد بعدما ظلت قضية الصحراء الغربية حاضرة في المؤسسات الدولية، واستمر الخلاف بشأن الحل النهائي؟
لا يمكن الجزم بدوافع الإدارة الأمريكية من دون أدلة مباشرة، لكن مضمون المسودة، ورد فعل البوليساريو عليها، يفتحان المجال لمناقشة ما إذا كانت المقاربة الجديدة ستؤدي عمليًا إلى تقليص هامش المناورة المتاح أمام الجبهة، ونقل مركز الثقل من البحث عن خيارات التسوية إلى مفاوضات أكثر تقييدًا.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء إصرار البوليساريو على أن القرار 2797 لا يمثل الإطار الوحيد الذي ينبغي أن تُقرأ ضمنه قضية الصحراء الغربية، وأن القرارات الأممية السابقة والأسس القانونية المرتبطة بتصفية الاستعمار تظل جزءًا من المرجعية التي يستند إليها الملف.
معركة تتجاوز صياغة القرار
إذا كانت البوليساريو قد نجحت في إبقاء حق تقرير المصير حاضرًا في النقاش الدولي، فإن التحدي الذي تطرحه المسودة يتمثل في منع تحويل أي مرجعية تفاوضية إلى نتيجة مفروضة سلفًا. وفي المقابل، يكشف رفض الجبهة أن الخلاف لا يتعلق بمجرد تعديلات لغوية أو تقنية، بل بطبيعة العملية السياسية وحدودها، وبمستقبل بعثة الأمم المتحدة التي أُنشئت عام 1991 في إطار خطة التسوية.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المكاسب الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد المواقف المؤيدة، بل أيضًا بقدرة الطرف المعني على الحفاظ على مضمون مطالبه داخل القرارات والآليات الأممية. ومن ثم، فإن التحدي أمام البوليساريو يتمثل في تحويل حضورها الدبلوماسي إلى ضمانات واضحة في النص النهائي، تحول دون حصر التسوية في خيار واحد أو إضعاف دور المينورسو قبل التوصل إلى حل متوافق عليه.
كما أن تلويح الجبهة بالانسحاب من العملية السياسية، إذا اعتُمدت المسودة دون تعديلات جوهرية، يضع مجلس الأمن أمام اختبار يتعلق بكيفية الموازنة بين الدفع نحو المفاوضات والحفاظ على الأسس التي تضمن استمرارها. فالعملية السياسية التي لا تحظى بقبول الأطراف المعنية، أو التي يُنظر إليها باعتبارها تحدد النتيجة مسبقًا، قد تواجه أزمة ثقة إضافية بدل أن تفتح الطريق أمام تسوية مستدامة.
وبهذا المعنى، فإن المسودة الأمريكية لا تمثل مجرد خلاف حول صياغة قرار، بل تفتح مواجهة دبلوماسية حول شكل المفاوضات وحدودها: هل تبقى ساحة للبحث عن تسوية متوافق عليها تضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، أم تتحول إلى مسار تضيق فيه الخيارات المتاحة أمام الطرف الصحراوي
وتبقى الإجابة مرتبطة بما ستسفر عنه المداولات داخل مجلس الأمن.
مكاسب البوليساريو الدبلوماسية تدفع إلى إعادة حسابات واشنطن




