تتّجه الجزائر ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية إلى تعبئة ما يصل إلى 3 مليارات دولار من التمويلات والخدمات المالية والتأمينية خلال الفترة 2025–2027، مقابل 3.1 مليارات دولار فقط مثلت إجمالي ما استفادت منه الجزائر منذ بداية علاقتها بالمجموعة. والفارق الزمني بين الرقمين يلخص حجم التحول: ما تراكم خلال عقود من التعاون أصبح يقابله برنامج مكثف يمتد ثلاث سنوات فقط، ويجمع هذه المرة بين تمويل المشاريع والاستثمار الخاص والتجارة وضمان الصادرات والتأمين.
وجاء اجتماع الدوحة بين رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية محمد الجاسر ووزير المالية الجزائري ومحافظ البنك عن الجزائر محمد لمين لبو، بحضور المحافظ المناوب نوال العماري، لمراجعة وتيرة تنفيذ إطار التعاون القطري 2025–2027 الذي وقع في الجزائر خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة في ماي 2025.
ولم يعلن الاجتماع قرضًا جديدًا أو غلافًا إضافيًا خارج البرنامج المتفق عليه، بل ركز على تسريع تحويل الإطار الموقع إلى عمليات قابلة للتمويل والتنفيذ. وتتمثل المرحلة الحالية في تحديد المشاريع، وضبط أدوات التمويل الملائمة لكل عملية، ثم الانتقال من الدراسات والموافقات إلى العقود والصرف.
ويبلغ الحجم الإجمالي المستهدف للإطار 3 مليارات دولار من الخدمات المالية والتأمينية. ولا يعني ذلك تخصيص مليار دولار سنويًا في صورة تحويلات ثابتة إلى الخزينة الجزائرية، لأن البرنامج يجمع أدوات مختلفة تشمل تمويل المشاريع والتجارة والقطاع الخاص، إلى جانب الضمان والتأمين وائتمان الصادرات.
وتظهر أهمية الرقم عند مقارنته بالمحفظة التاريخية للجزائر لدى المجموعة. فمنذ انضمامها في أوت 1974 بصفتها عضوًا مؤسسًا، سجل البنك مئات العمليات المرتبطة بالجزائر، فيما بلغ التمويل التراكمي المحدث نحو 3.1 مليارات دولار.
وتشير بيانات البنك إلى أن الجزء الأكبر من التمويلات السابقة اتجه إلى الاقتصاد المنتج والبنية الأساسية. فقد استحوذت الصناعة والمناجم على قرابة 2.2 مليار دولار، بما يعادل نحو 73% من المحفظة التي كانت مقدرة وقت إعداد الدراسة المرجعية بنحو 3 مليارات دولار.
وفي الزراعة، بلغت التمويلات قرابة 313.7 مليون دولار، خصوصًا في الري والمنشآت المرتبطة بالإنتاج والأمن الغذائي، بينما استفاد قطاع الطاقة من نحو 230.8 مليون دولار في شبكات الكهرباء والمصافي ومنشآت نقل الغاز.
كما ساهم البنك بنحو 454 مليون دولار في الطريق العابر للصحراء، وهو ممر إقليمي بطول يقارب 9400 كيلومتر يربط الجزائر بتونس ومالي والنيجر وتشاد ونيجيريا، ما يجعل التمويل مرتبطًا أيضًا بتوسيع حركة التجارة والربط الإفريقي.
الجديد في برنامج 2025–2027 لا يتعلق بالحجم فقط، بل بطريقة توزيع الأدوات المالية. فالتعاون يتجه إلى إشراك أوسع للقطاع الخاص، وتمويل التجارة وسلاسل التوريد، إلى جانب استخدام التأمين والضمان لتقليل المخاطر وتحفيز البنوك والمستثمرين على الدخول في العمليات.
وتتوزع هذه الوظائف داخل مجموعة البنك بين عدة مؤسسات. فالمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص تتولى تمويل الشركات والمشروعات الخاصة عبر القروض والمساهمات وخطوط التمويل، ويمكنها المشاركة في تمويل توسعات المؤسسات القائمة أو المشاريع الجديدة ضمن حدود تختلف باختلاف طبيعة العملية.
أما المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، فتقدم أدوات موجهة إلى دورة النشاط التجاري، تشمل شراء المواد والمدخلات، وتمويل الصادرات قبل الشحن وبعده، وائتمان المشترين وسلاسل التوريد. وتكتسب هذه الأدوات أهمية بالنسبة إلى المؤسسات الجزائرية لأنها توفر تمويلًا مرتبطًا مباشرة بالإنتاج والبيع الخارجي، وليس فقط بإنشاء الأصول.
ويضاف إلى ذلك دور المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات، التي تغطي المخاطر التجارية والسياسية وتعمل مع الشركة الجزائرية لتأمين وضمان الصادرات «كاجكس».
وبلغت التغطية التأمينية التراكمية للعمليات المرتبطة بالجزائر نحو 10 مليارات دولار إلى غاية منتصف أفريل 2025. وهذا الرقم منفصل عن التمويلات البالغة 3.1 مليارات دولار، لأنه يمثل قيمة معاملات واستثمارات جرى توفير تغطية ضد المخاطر لها، وليس أموالًا أقرضت مباشرة للجزائر.
وتكمن أهمية هذا النوع من الخدمات في رفع قدرة المشروع أو الصفقة على الحصول على التمويل. فوجود مؤسسة دولية تتحمل جزءًا من مخاطر عدم السداد أو المخاطر السياسية يزيد استعداد البنوك والمصدرين والمستثمرين للدخول في المعاملة.
وخلال 2024 وحده، سهلت ذراع التأمين التابعة للمجموعة معاملات تجارية تجاوزت 267 مليون دولار، إضافة إلى صادرات قدرت بنحو 1.8 مليار دولار في قطاعات شملت الصناعة والزراعة والمنتجات الصيدلانية.
ويشمل التعاون كذلك تطوير الصيرفة الإسلامية ودراسة أدوات تمويل مثل الصكوك السيادية الموجهة للبنية التحتية، إلى جانب بناء القدرات، بعدما استفاد أكثر من 500 إطار وخبير جزائري من برامج تكوين مرتبطة بالاقتصاد الإسلامي والتكنولوجيا المالية وإدارة السيولة.
وعليه، فإن القيمة الاقتصادية لبرنامج 2025–2027 ستتوقف أساسًا على قدرة الجزائر على تحويل الغلاف المتاح إلى مشاريع محددة، بدراسات جدوى وعوائد قابلة للقياس وآجال تنفيذ واضحة.
وردة جزائري




