الأولى الدولي الوطني تحاليل وآراء
✒️ قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز بقلم: أ / كريم سيد عطا (باحث في الدراسات الأفريقية)

تحالف إسقاط المركز .. هل يتكرّر سيناريو منجستو في المشهد الإثيوبي؟

تتّجه الأنظار نحو الساحة الإثيوبية في ظل مخاض سياسي وعسكري جديد يعيد التوتر بين السلطة المركزية والأقاليم إلى واجهة الأحداث. يأتي ذلك على خلفية إعلان سبع تنظيمات وفصائل معارضة ومسلحة عن توحيد جهودها تحت مظلة “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء”. يستهدف هذا التحالف الإطاحة بحكومة حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، وتأسيس إدارة انتقالية متوافق عليها، بجانب صياغة عقد دستوري جديد للبلاد. وتبرز خطورة هذا التكتل من اتساع رقعته الجغرافية وتنوعه القومي؛ إذ يضم أطرافاً فاعلة من مختلف ساحات المواجهة، بدءاً من جبهة تحرير شعب تيغراي، مروراً بقوات فانو في إقليم أمهرة وجيش تحرير أورومو، وصولاً إلى فصائل أخرى تمثل الإقليم الصومالي، وعفار، وبني شنقول-قمز.

ولا ينفصل هذا المخاض عن السياق الميداني الأخير؛ فقد سبقه في شهر أغسطس الماضي إعلان زعيم قوات فانو، زيمين كاسي، عن توحيد صفوف الحركة تحت قيادة موحدة، تزايد معها إعلان جيش تحرير أورومو في 17 سبتمبر عن توسيع نطاق التنسيق مع قوى المعارضة المسلحة، مع الاحتفاظ بخصوصية موقفه إزاء طبيعة الاتفاق السياسي. يتزامن هذا الحراك مع استمرار الاشتباكات المحتدمة في عدة أقاليم، مما يضاعف من أعباء الحكومة الفيدرالية ويضعها أمام اختبار تعدد الجبهات وتصاعد الضغوط الأمنية.

هذا التطور يتجاوز ببعاده البعد العسكري المباشر ليستدعي الذاكرة التاريخية للدولة الإثيوبية؛ حيث يتقاطع المشهد الراهن مع التحالفات المسلحة التي أفضت إلى إسقاط نظام منجستو هايلي ماريام في عام 1991، والتي أعقبها تدشين مرحلة جديدة عمادها الفيدرالية الإثنية كآلية لإعادة تنظيم هيكل السلطة وعلاقة المركز بالقوميات.

واليوم، وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود، تبرز مفارقة لافتة تمثلت في عجز النظام الذي نشأ إثر الإطاحة بمنجستو عن طוі جذور أزمة المركز والأقاليم، لتلجأ قوى قومية ومناطقية متعددة مجدداً إلى خيار التحالف الواسع لمواجهة المركز.

من هنا، تتجاوز الإشكالية حدود القدرة العسكرية للتحالف على الضغط الميداني، لتمتد إلى مدى قدرته على تجاوز التباينات البنيوية بين مكوناته، وتحويل شعار إسقاط المركز إلى مشروع سياسي مستدام لمرحلة ما بعد الإطاحة. وهو ما يؤطر الإشكالية الجوهرية لهذه الدراسة: إلى أي مدى يمتلك التحالف الجديد القدرة على استنساخ سيناريو 1991؟ وهل تتوافر لدى قواه رؤية متكاملة لبناء الدولة، أم أن اتساع التحالف يحمل في طياته بذور تفككه وهشاشته؟

الفيدرالية الإثنية: جذور أزمة المركز والأقاليم

ترتكز بنية الدولة الإثيوبية الحديثة، منذ انهيار نظام منجستو في عام 1991، على هندسة الفيدرالية الإثنية؛ وهي صيغة جرى تبنيها لتقسيم البلاد استناداً إلى الهويات القومية سعياً لاحتواء تنوع عثري يربو على ثمانين قومية. غير أن هذا القالب، عوضاً عن معالجة أزمة التمثيل، أنتج دوامة دورية من الصراعات حول الموارد والنفوذ والحدود الإدارية.

وقد تبلورت هذه المسارات باعتماد دستور عام 1994 ومأسسة الفيدرالية العرقية، حيث قُسِّمت البلاد إلى تسع ولايات إقليمية استناداً للمادة 47، ومنحت المادة 39 كل “شعب وقومية وأمة” حق تقرير المصير وصولاً للانفصال. هكذا تحول التنوع الإثني من رصيد وطني جامع إلى آلية مؤسسية لتسييس القبلية وتعميق الانقسامات.

وقد انعكست هذه الترتيبات على شكل موجات عنيفة من التطهير العرقي والنزوح؛ حيث شرد نحو مئة ألف من الأمهرا من ولاية أوروميا، ناهيك عن أعمال التهجير والانتهاكات في مناطق شتى. فضلاً عن ذلك، عاشت إثيوبيا حرب تيغراي المدمرة (2020-2022) التي اختتمت باتفاق بريتوريا، قبل أن تنتقل بؤر الاشتعال إلى أمهرة وأوروميا، لتعود التوترات للتصاعد في تيغراي خلال عام 2026.

هذا التأرجح المحموم بين المواجهة والهدنة الموقتة يعكس الطبيعة المتجددة لهذه التحالفات الإقليمية والمناطقية التي تتبلور آلياتها كلما بلغت الاحتقانات مع السلطة المركزية مداها الأقصى.

وعلى الرغم من الوعود التي رافقت حقبة ما بعد 1991، أخفقت الإدارات المتعاقبة في إدارة التنوع بفاعلية، واكتفت بتصدير الأزمات من المركز إلى النطاق المحلي. وبدلاً من مقاربة الصراع بوصفه أزمة بنيوية تتطلب إصلاحاً وطنياً شاملاً، جرى التعاطي معه باعتباره نزاعات محلية أو قبلية عابرة، مما أعفى السلطة المركزية من مسؤوليتها التاريخية والمؤسسية.

وفي السياق ذاته، واصل نظام آبي أحمد النهج ذاته عبر مقاربة الأزمات بصفتها مشكلات محلية معزولة، متجاهلاً معالجة الأسس الدستورية للفيدرالية الإثنية، أو صياغة إطار وطني جامع للمواطنة. وبذلك ظل الدستور عاجزاً عن توفير مظلة استقرار، محولاً الهوية إلى أداة للصراع والشك المتبادل بدل العيش المشترك.

التحالف الجديد: اتساع جغرافي مقابل هشاشة تنظيمية

بالتوازي مع المكاسب الميدانية التي أعلنت عنها قوات تيغراي بالسيطرة على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير ودفع الخطوط الجوية الإثيوبية لتعليق رحلاتها –وهو ما يضع اتفاق بريتوريا أمام محك اختبار حقيقي– تكشف القراءة الموضوعية للتحالف عن فجوات جوهرية بين مكوناته.

فقد أبان بيان التأسيس عن بون شاسع بين الخطاب السياسي والواقع العملياتي؛ لا سيما مع إبداء جيش تحرير أورومو تحفظاته حيال اعتبار التحالف اتفاقاً سياسياً شاملاً، مما يرجح أن هذه الوحدة تكاد تقتصر على تفاهمات حد أدنى للتنسيق الميداني بمعزل عن قيادة مركزية موحدة.

وفي ظل احتفاظ كل فصيل بأجندته الخاصة وغياب هيكل قيادي معلن، يبرز التساؤل حول مدى قدرة هذه الأطراف المتباينة على تحويل الإعلان النظري إلى تنسيق عملياتي فعال. فالتاريخ السياسي للمعارضة الإثيوبية يشهد بأن التوافقات السياسية غالباً ما تسبق القدرات التنظيمية بسنوات، وعادة ما تتداعى هذه الكيانات قبل اختبارها الحقيقي.

أما في حال نجاح التحالف في جسر هذه الهوة وتطوير آليات دمج قواته السبع، فقد يشهد المشهد الإثيوبي انعطفة كبرى، بينما سيظل التحالف في حال غلبة الخلافات مجرد إطار هش يعكس تعقيدات الصراع أكثر مما يمتلك القدرة على حسمه.

مقاربة تاريخية: بين إسقاط منجستو وتحديات الراهن

يحمل التحالف المعلن في سبتمبر 2026 تشابهات واضحة مع تحالفات عام 1991 التي أطاحت بنظام منجستو، لا سيما في نمط الجبهة المسلحة العابرة للقوميات في مواجهة المركز. ففي ذلك الحين، قادت الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا (EPRDF) تحالفاً واسعاً توج بالسيطرة على السلطة في مايو 1991 وتشكيل حكومة انتقالية.

أما تحالف اليوم فيضم سبع قوى من تيغراي، وأوروميا، وأمهرا، والإقليم الصومالي، وعفار، وبني شنقول-قمز، متفقين ظاهرياً على هدف إزاحة السلطة القائمة وتأسيس إدارة انتقالية.

رغم ذلك، تبرز فوارق جوهرية؛ إذ تحرك تحالف 1991 تدريجياً نحو بناء صيغ مؤسسية واضحة، بينما تفتقر القوى السبع الحالية حتى اللحظة لبلورة رؤية دستورية وسياسية متفق عليها لما بعد مرحلة الإزاحة.

وعلى الصعيد العسكري، تواجه حكومة آبي أحمد ضغوطاً مزدوجة ومتزامنة من فانو، وجيش تحرير أورومو، وتجدد جبهات تيغراي، مما يشتت الموارد الفيدرالية، وإن كان ذلك يعبر عن ضغط ميداني مكثف أكثر من كونها مؤشرات حتمية لانشقاق المؤسسة العسكرية.

دستورياً، يختلف المشهد جذرياً؛ ففي عام 1991 كانت البلاد خارجة من مركزية مفرطة ولم تكن الفيدرالية الإثنية قد تكرست بعد. أما اليوم، فالدولة تقف على أرضية نظام فيدرالي يقر حق تقرير المصير والانفصال (المادة 39)، مما يجعل انهيار المركز مغامرة كبرى تثير تساؤلات خطيرة حول تماسك الدولة وسط تعدد مراكز القوة المسلحة.

وعلى المستوى الدولي، اختلف السياق تماماً؛ فسقوط منجستو تزمّن مع نهاية الحرب الباردة وانسحاب الدعم السوفيتي، بينما تتحرك حكومة آبي أحمد اليوم ضمن شبكة معقدة من الشراكات الإقليمية والدولية المتعددة، رغم ما يكتنفها من ضغوط غربية سابقة.

مفارقات إسقاط المركز ومعضلة دولة ما بعد السلطة

أفرزت التجربة الإثيوبية منذ 1991 مفارقة بنيوية؛ فكلما اتسعت الجبهة المعارضة للمركز، تزايدت قدرتها على التحدي العسكري، وفي المقابل تعاظمت صعوبة توافقها على طبيعة السلطة البديلة. وتتجذر هذه المعضلة في بنية الفيدرالية الإثنية التي حولت التنوع إلى حلبة صراع.

فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، أدى غياب العقد الاجتماعي الجامع وهيمنة النزعات الإثنية إلى إعادة إنتاج الأزمات بشكل دوري. واليوم، تتكرر الإشكالية ذاتها مع الحركات السبع التي تتفق على هدف “الإطاحة” بينما تغيب عن أجندتها تفاصيل “البناء” وشكل الدولة البديلة.

إن استمرار هذه المعضلة ينذر بانزلاق إثيوبيا نحو سيناريو “التفكك الوظيفي”، حيث تظل الدولة موحدة شكلياً بينما تتكرس على الأرض مراكز قوى إقليمية مستقلة. وعليه، فإن تجنب هذا المصير يشترط تجاوز قوى المعارضة مرحلة التحالف السلبي الموجه ضد خصم مشترك، نحو صياغة إطار وطني توافقي يعيد هندسة توزيع الثروة والسلطة.

خاتمة

يمثل تحالف المعارضة الإثيوبية الراهن اختباراً مصيرياً لقدرة الدولة على إدارة تنوعها الإثني والإقليمي المتأزم منذ حقبة منجستو. ورغم التقاطعات الظاهرية مع سيناريو 1991 في اتساع جبهة الرفض للمركز، إلا أن تعقيدات البيئة الدستورية والسياسية الراهنة تجعل إعادة إنتاج ذات المسار أمراً محفوفاً بالتحديات.

تكمن المفارقة الأساسية في أن اتساع التحالف يمنحه زخماً ضاغطاً على المركز، لكنه يكشف في المقابل هشاشة التحول من وحدة الهدف العسكري إلى التوافق السياسي على شكل الدولة. ومن ثم، فإن السؤال المفصلي لم يعد محصوراً في قدرة التحالف على إضعاف السلطة المركزية، بل في مدى كفاءته على تحويل هذا التكاتف الميداني العابر إلى مشروع سياسي جامع يكفل إعادة بناء الدولة ويحافظ على بقائها.

الدكتور كريم سيد عطا

25 سبتمبر 2026

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام