الأولى

ستورا يكشف مستور الإعلام الفرنسي في تناول العلاقات الجزائرية–الفرنسية

في الوقت الذي ترى فيه النخبة الفرنسية الحقيقية، المدركة لأهمية العلاقات الجزائرية–الفرنسية، وتسعى إلى ترقيتها وفتح آفاق جديدة بعيدًا عن هيمنة الإيديولوجيا اليمينية المتطرفة التي تشكّلت مع ميلاد الجمهورية الخامسة، في الطرح. تحتضن قناة إعلامية فرنسية مؤرخًا مرموقًا بحجم بنجامين ستورا للحديث عن “مؤثر” ينشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومصنّف في الجزائر ضمن قائمة الإرهابيين، في لحظة كاشفة لما يجري خلف الستار.

ستورا يثور في وجه الإعلام الفرنسي المنحط

المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، الذي ارتبط اسمه أكاديميًا وفكريًا بملف حرب الجزائر وذاكرتها الثقيلة، انفجر غضبًا في وجه صحفي قناة فرانس أنفو حين فوجئ بسؤال عن “مؤثر”، بدل الحديث عن مضمون الحلقة الأصلي: العلاقات الجزائرية–الفرنسية، آفاق المصالحة، حقائق المعارك، والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

لم يكن غضب ستورا مجرد انفعال شخصي، بل احتجاجًا على منطق إعلامي بات يتوسع في تغطية الملفات التاريخية الحساسة بطريقة ساذجة ومنحطة.

الدناءة الإعلامية في التعامل مع التاريخ المشترك

تعكس الواقعة حجم الدناءة الإعلامية في تناول بعض المنابر الفرنسية للمواضيع المتعلقة بالذاكرة والتاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا، وهو تاريخ يشكّل أحد أهم محددات العلاقات بين البلدين. فبدل إدارة نقاش مستند إلى الوثائق والسياقات، يُفرغ الموضوع من محتواه ويتم تحويله إلى مادة لإثارة الجدل، هروبًا من الحقيقة ومسؤولية مواجهة الماضي الاستعماري الذي كرس منطق الاستعلاء في التعاطي مع الدول ذات السيادة والاستقلال.

التوتر بدل التقارب.. سياسة الإعلام اليميني

الأخطر في الواقعة ليس تغيير مسار الحوار فحسب، بل تكريس أسلوب يساهم في تأزيمه. فحين تُستبدل أسئلة الحقيقة بأسئلة استفزازية، تُستهلك الملفات المهمة بطريقة استفزازية، لاسيما المتعلقة بالذاكرة والتاريخ، ما يرفع منسوب التوتر والتشنج بدل فتح أفق للمراجعة والتقارب بما يعزز المصالح والمنافع للبلدين.

فالإعلام الفرنسي أصبح ساذجًا عند التعاطي مع الملفات المهمة، وخصوصًا في الوقت الذي تبدأ فيه العجلة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس في التحرك.

فالنخبة الفرنسية الرصينة والوازنة، كلما تحركت نحو الانفراج وفتح آفاق جديدة في علاقتها الدبلوماسية مع الجزائر، الدولة المحورية في شمال إفريقيا والفضاء الأورو–متوسطي، تتحرك النخبة المعادية المسيطرة على الجمهورية الفرنسية لإثارة الجدل وتعكير صفو المسار، خوفًا من مستقبلها ومستقبل أيديولوجيتها، مما يحرم الدولة الفرنسية من المضي قدمًا نحو بناء علاقة قوية تجمع شعبي البلدين.

المصالحة التاريخية والذاكرة كعنصر استقرار

فعوض أن يفتح الإعلام ملفات مهمة ويناقش كيفية بناء مصالحة تاريخية مع الماضي الاستعماري، يتجنب الإعلام الفرنسي ذو التوجه اليميني الحديث عن الذاكرة، لأنه مدرك أنها ليست تفصيلًا هامشيًا، بل أحد مفاتيح الاستقرار الرمزي بين الطرفين، الأمر الذي يجعله يتحاشى فتح الملف بجدية ومسؤولية، ويجعل من حربه ضدها رمزًا للتمجيد والاستعلاء، متغاضيًا عن أن حرب الجزائر ليست فصلًا في كتاب فحسب، بل تجربة جماعية تركت آثارها على المجتمعات والعائلات والسياسات العامة. والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء ليست “قصة قديمة”، بل ملف مفتوح على أسئلة البيئة والضحايا والتعويض.

حق الرأي العام في نقاش ناضج ومسؤول

من حق الرأي العام  الفرنسي، كما الجزائري، أن يسمع نقاشًا ناضجًا حول الأرشيف، ومسؤولية الدولة الفرنسية في الاعتراف بالجرائم والاعتذار والتعويض، وفهم كيفية صناعة السرديات المتنافسة، ولماذا تتجدد الأزمات عند كل خطوة رمزية أو سياسية تذيب جليد التأزم. أما اختزال الحوار في سؤال عن “مؤثر”، فليس سوى محاولة للحفاظ على حالة التوتر ومنع التقارب الحقيقي.

ضرورة معالجة الأزمة النفسية الفرنسية وإعادة بناء الثقة

ما كشفته واقعة ستورا ليس غضب مؤرخ فحسب، بل أزمة خطاب داخل المشهد الإعلامي الفرنسي، تعكس صعوبة التعامل مع الإرث الاستعماري ضمن رؤية تصالحية. الجزائر، التي تبني علاقاتها على الاحترام والثقة، لا يمكن أن تقبل باستمرار هذه الممارسات إذا أرادت فرنسا حقًا المضي قدمًا نحو المستقبل في علاقتها مع الجزائر.

كما تؤكد الواقعة أن فرنسا تحتاج لمعالجة هذه الأزمة قبل فتح أي مسار جديد مع بلد يعلم جيدًا، من علاقاته مع القوى العظمى، أن بناء الثقة والاحترام هو المدخل الوحيد لأي شراكة حقيقية.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام