تفتح الجزائر وإيطاليا مسارًا جديدًا لتعزيز شراكتهما الاقتصادية، من خلال توسيع الحوار الثنائي إلى القطاع المالي والمصرفي، في خطوة تستهدف دعم تدفقات الاستثمار وتطوير التعاون بين المؤسسات ومرافقة نشاط الشركات في الأسواق الدولية. وجاء ذلك خلال لقاء جمع محافظ بنك الجزائر، محند بوراي، بالسفيرة الإيطالية لدى الجزائر، أليساندرا سكيافو، في سياق تحركات دبلوماسية واقتصادية إيطالية متواصلة لتعزيز الشراكة مع الجزائر، تشمل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والبنية التحتية.
وأوضحت السفارة الإيطالية أن المحادثات تناولت سبل تعميق التعاون المالي واستكشاف فرص جديدة للشراكة، بما يسمح بدعم الاستثمارات وتعزيز قدرات المؤسسات على تطوير أنشطتها خارج أسواقها المحلية. ووصفت الجانب الإيطالي الحوار بأنه عملي وبنّاء، يعكس التوجه نحو توطيد العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وروما وتوسيع مجالات التعاون المؤسسي.
ويحمل إدراج الملف المالي ضمن الاتصالات الثنائية أهمية اقتصادية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات المصرفية، إذ يرتبط مباشرة بمتطلبات الاستثمارات الصناعية والزراعية والمشاريع المشتركة التي تشهدها الشراكة الجزائرية الإيطالية. فانتقال المؤسسات من مرحلة الاتفاقات الاستثمارية إلى الإنجاز والإنتاج والتصدير يستدعي خدمات مالية متخصصة، قادرة على مرافقة العمليات التجارية وتسهيل المعاملات الدولية وتوفير الأدوات المصرفية اللازمة لتنفيذ العقود.
ويأتي هذا اللقاء في مرحلة تعمل فيها الجزائر على توسيع القاعدة الإنتاجية الوطنية، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتطوير الصادرات خارج قطاع المحروقات، وهي توجهات تمنح المنظومة المصرفية دورًا متزايدًا في مرافقة المؤسسات الاقتصادية وتمويل النشاط الإنتاجي وتسهيل ارتباطه بالأسواق الخارجية.
وتبرز أهمية بنك الجزائر في هذا المسار باعتباره المؤسسة المسؤولة عن السياسة النقدية والإشراف على النظام المصرفي، بما يجعل الحوار مع الشركاء الماليين الدوليين مجالًا لتبادل الخبرات ومناقشة فرص تطوير التعاون المؤسسي، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وفي هذا السياق، يتيح التقارب مع الجانب الإيطالي بحث مجالات تعاون محتملة تشمل الخدمات المالية المرتبطة بالتجارة الخارجية، وتبادل الخبرات المصرفية، ومرافقة الاستثمارات العابرة للحدود، فضلًا عن تعزيز التواصل بين المؤسسات المالية والفاعلين الاقتصاديين في البلدين. ولم يتضمن الإعلان عن اللقاء تفاصيل بشأن توقيع اتفاق مصرفي أو إقرار تمويلات جديدة، ما يجعل هذه المجالات آفاقًا للتعاون وليست التزامات معلنة.
ويكتسب اللقاء دلالة إضافية لكونه يجمع السفيرة الإيطالية بمحند بوراي، الذي تولى مهامه محافظًا لبنك الجزائر في 3 سبتمبر 2026، بعد مسار مهني في القطاع المصرفي شمل الإدارة العامة لبنك الفلاحة والتنمية الريفية «بدر»، ورئاسة الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية.
وكان بوراي قد أكد، بمناسبة تنصيبه، أهمية العمل المشترك مع مختلف الفاعلين في المنظومة المصرفية والمالية لمواكبة الديناميكية الاقتصادية الوطنية، في توجه ينسجم مع الحاجة إلى تعزيز مساهمة القطاع البنكي في مرافقة المشاريع الاستثمارية وتطوير الخدمات الموجهة للمؤسسات.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن الزخم الذي تشهده العلاقات الاقتصادية الجزائرية الإيطالية خلال الأسابيع الأخيرة، حيث كثفت السفيرة أليساندرا سكيافو لقاءاتها مع عدد من المسؤولين الجزائريين، في مسار شمل الصناعة والتجارة الخارجية والأشغال العمومية، قبل أن يمتد إلى المؤسسة النقدية الوطنية.
ففي 13 أكتوبر، بحثت السفيرة مع وزير الصناعة فريد كورتل فرص تعزيز الاستثمارات الإيطالية وتطوير المشاريع الصناعية المشتركة، مع إبراز الإمكانات التي يتيحها الإطار التشريعي الجزائري للاستثمار، والتسهيلات الموجهة إلى المؤسسات الراغبة في إقامة أنشطة إنتاجية داخل السوق الوطنية.
كما تناولت محادثاتها مع وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، التي أوردتها وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» في 5 نوفمبر، آفاق توسيع التعاون بين المؤسسات الاقتصادية، وأهمية إعادة تنشيط مجلس الأعمال الجزائري الإيطالي، بما يعزز الاتصالات المباشرة بين المتعاملين ويدعم استكشاف فرص جديدة للاستثمار والتبادل التجاري.
وتعكس هذه اللقاءات توجّهًا نحو توسيع الشراكة الاقتصادية على مستويات مترابطة، تبدأ بالمؤسسات الإنتاجية وتمر بالتجارة والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى الآليات المالية التي ترافق تنفيذ الاستثمارات ونشاط الشركات.
ويبرز هذا الترابط بصورة خاصة في المشاريع الكبرى التي تجمع المؤسسات الجزائرية والإيطالية، وفي مقدمتها الاستثمار الزراعي الصناعي بتيميمون، الذي تطوره مجموعة «بونيفيكي فيراريزي» بالشراكة مع الصندوق الوطني للاستثمار الجزائري، بقيمة إجمالية معلنة تبلغ 420 مليون يورو، وعلى مساحة تقدر بـ36 ألف هكتار.
ويمثل هذا المشروع أحد أبرز الأمثلة على انتقال التعاون الاقتصادي بين البلدين إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأمد، تجمع استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، بما يفتح آفاقًا لتطوير سلاسل القيمة المحلية وتوسيع نشاط المؤسسات المرتبطة بالتجهيزات والخدمات الزراعية والصناعية.
وكانت استثمارات المجموعة الإيطالية قد حظيت باهتمام خاص خلال المحادثات التي جمعت الوزير الأول سيفي غريب بالسفيرة أليساندرا سكيافو، مساء الخميس 5 نوفمبر، في إطار متابعة الشراكة الاقتصادية والصناعية، خصوصًا المشاريع المنخرطة ضمن خطة «ماتي» الإيطالية الموجهة إلى إفريقيا.
ويمنح تزامن هذه الاتصالات مع اللقاء المالي الأخير أهمية إضافية لمسار التعاون الثنائي، إذ يبرز اتساع الاهتمام الإيطالي بالاستثمار في الجزائر، وتعدد المؤسسات والقطاعات المشاركة في تطوير الشراكة. غير أن المعطيات المعلنة لا تربط لقاء محافظ بنك الجزائر بتمويل مشروع تيميمون تحديدًا، وإنما تضعه ضمن الإطار الأوسع للتعاون الاقتصادي والمالي.
وفي جانب آخر، يحظى التعاون الاستثماري بين الجزائر وإيطاليا بخبرة سابقة في مجال الضمانات المالية وائتمان الصادرات. فقد أعلنت مجموعة «BF» الإيطالية في جويلية 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية «SACE»، لدعم تطوير مشاريع زراعية صناعية في الجزائر وأسواق إفريقية أخرى.
وكانت المجموعة قد أشارت إلى أن ضمانات «SACE» المرتبطة بالتمويلات والعقود في الجزائر بلغت نحو 2.5 مليار يورو خلال السنوات العشر السابقة، وساهمت في دعم مشاريع تتجاوز قيمتها الإجمالية 8 مليارات يورو. وتعكس هذه الأرقام حجم نشاط المؤسسة الإيطالية في السوق الجزائرية خلال تلك الفترة، دون أن تمثل تعهدات مالية جديدة نتجت عن اللقاء الأخير.
وتبرز هذه المعطيات أهمية الأدوات المالية في تطوير الشراكات الاقتصادية الكبرى، خصوصًا أن المشاريع الصناعية والزراعية تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين المستثمرين والموردين والمؤسسات المصرفية وجهات الضمان، لضمان انتظام عمليات اقتناء التجهيزات وتنفيذ العقود ومواكبة مراحل الإنتاج.
وبالنسبة إلى الجزائر، تكتسب هذه الآليات أهمية في إطار تعزيز مساهمة المؤسسات الوطنية في المشاريع المشتركة، وتوسيع فرص المناولة الصناعية والخدمات، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، بما يساهم في زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
كما يمكن لتطوير التعاون المالي مع الشركاء الأوروبيين أن يفتح مجالات أوسع لتبادل الخبرات المصرفية، وتحسين الخدمات المرتبطة بالمعاملات الدولية، ومرافقة المؤسسات الجزائرية الراغبة في توسيع نشاطها التجاري والاستثماري، بما ينسجم مع أولويات تنويع الاقتصاد الوطني.
ويأتي ذلك في ظل توجه الجزائر إلى ترسيخ علاقات اقتصادية قائمة على الاستثمار المنتج والشراكات طويلة الأمد، بدل حصر التعاون الخارجي في المبادلات التجارية التقليدية، مع إعطاء أهمية متزايدة لنقل التكنولوجيا وتطوير الصناعة والزراعة والخدمات ذات القيمة المضافة.
وعلى المستوى الثنائي، يعكس توسيع الحوار إلى المجال المصرفي تطورًا في طبيعة العلاقات الاقتصادية الجزائرية الإيطالية، التي تمتد من التعاون الطاقوي إلى مشاريع صناعية وزراعية واستثمارية متعددة، بما يجعل القطاع المالي أحد المجالات القادرة على مرافقة هذا التوسع.
وتتزامن هذه الديناميكية مع تأكيد روما رغبتها في مواصلة دور بنّاء في الحوار بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، على أساس الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، وهو موقف يضيف بعدًا مؤسساتيًا أوسع للعلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإيطاليا.
وبذلك، يشكل لقاء محافظ بنك الجزائر محند بوراي والسفيرة الإيطالية أليساندرا سكيافو محطة جديدة في مسار توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال إدراج القطاع المالي ضمن مجالات الشراكة المتنامية. وتبرز أهميته في إمكانية تطوير آليات عملية لمرافقة الاستثمارات والمؤسسات والتجارة الدولية، بما يدعم مساعي الجزائر لتعزيز الإنتاج الوطني وتطوير الصادرات واستقطاب استثمارات طويلة الأمد، ويرسخ موقعها شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا رئيسيًا لإيطاليا في منطقة المتوسط وإفريقيا.
وردة جزائري




