الأولى الوطني تحاليل وآراء

الباحث مداح بوعزة لـ”شرشال نيوز”: التنسيق الأمني مع تشاد يرتبط بحماية استقرار منطقة الساحل

تتسارع وتيرة التقارب بين الجزائر ونجامينا في مرحلة تتقاطع فيها رهانات الأمن في الساحل مع حسابات الشراكة الاقتصادية في القارة الإفريقية. فبعد الزيارة الرسمية التي أدّاها رئيس جمهورية تشاد، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، إلى الجزائر في شهر أفريل 2026 بدعوة من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، جاءت زيارة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، إلى تشاد بصفته مبعوثا خاصا لرئيس الجمهورية، لتؤكد أن الحوار بين البلدين تحوّل إلى مسار متواصل لا ترتبط وتيرته بمناسبة بعينها.

وكانت زيارة أفريل قد تُوّجت بمباحثات على انفراد بين الرئيسين، تلتها جلسة عمل موسّعة ضمّت وفدي البلدين، ثم ترأسا معا حفل التوقيع على ثمانية وعشرين (28) اتفاقا ومذكرة تفاهم، أُبرمت في إطار الدورة الرابعة للجنة المشتركة الجزائرية-التشادية. وأعرب الرئيسان بالمناسبة عن ارتياحهما لجودة العلاقات الثنائية، وجدّدا عزمهما إعطاءها دفعا جديدا، مؤكدين أنها ترتكز على أسس متينة ومستدامة، من القرب الجغرافي والروابط التاريخية والإنسانية، إلى تقارب وجهات النظر حول الرهانات الكبرى في القارة.

 كما حظي التعاون الأمني والاستقرار الإقليمي بحيّز خاص من المباحثات، من خلال تبادل وجهات النظر حول القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، والتحديات التي تواجه الفضاء الإقليمي للبلدين.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة عطاف إلى نجامينا، حيث استقبله رئيس الدولة، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، وتناول معه عددا من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، حسبما أورده بيان وزارة الخارجية.

وجدّد الوزير بالمناسبة “التزام الجزائر باستقرار منطقة الساحل الصحراوي، واستعدادها للعمل مع دول المنطقة من أجل إرساء الأمن بما يخدم مصالح جميع دولها وشعوبها”، وهو ما يعكس مستوى التنسيق المتقدم الذي تحرص الجزائر على بنائه مع دول الساحل الإفريقي.

وللخوض أكثر في الموضع والبحث في تفاصيل هذه الزيارة و أثرها على المسار الإيجابي الذي تتميز به اليوم العلاقات بين البلدين، أجرت شرشال نيوز اتصالا بالباحث مداح بوعزة المختص في العلوم السياسية و العلاقات الدولية، الذي أكد أن الرسالة التي حملها وزير الخارجية أحمد عطاف إلى العاصمة التشادية نجامينا لا تمثل مجرد تحرك دبلوماسي بروتوكولي، بل تعكس، بحسب قراءته، توجهًا أمنيًا واستراتيجيًا جزائريًا لمواجهة ما وصفه بمحاولات تطويق العمق الجنوبي للجزائر، وتحديدًا عند مثلث الحدود بين تشاد والنيجر وليبيا.

وأوضح بوعزة، في مداخلة لشرشال نيوز، أن هذا التحرك يرتبط باجتماع مجلس الأمن القومي الذي ترأسه رئيس الجمهورية، بحضور رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي والوزير الأول ومدير ديوان رئاسة الجمهورية، إلى جانب قادة الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، مشيرًا إلى أن اجتماعًا ثنائيًا مغلقًا جمع رئيس الجمهورية بوزير الخارجية أعقب ذلك، لتلقي التوجيهات النهائية قبل توجهه إلى نجامينا.

واعتبر الباحث أن الرسالة الرئاسية الموجهة إلى رئيس جمهورية تشاد تمثل نقطة تحول في صراع النفوذ الإقليمي، قائلا “بأن الرسالة جاءت لمواجهة ما وصفه بـ”كماشة جيوسياسية” تستهدف الخاصرة الجنوبية للجزائر” ،مؤكدًا أن التحرك الجزائري يعكس توجهًا استباقيًا لإجهاض محاولات الاختراق الخارجي قبل تحولها إلى تهديدات ميدانية.

إعادة التموضع الفرنسي في تشاد

وفي تحليله لخلفيات التحرك الجزائري، ربط الباحث مداح بوعزة الخطوة بإعادة التموضع الفرنسي في تشاد، معتبرًا أن باريس، بعد تراجع وجودها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، اتجهت إلى نموذج حضور أكثر مرونة داخل نجامينا، لا يعتمد على الحشود العسكرية التقليدية، بل يرتكز على الاستخبارات التقنية والدعم العملياتي السريع ومنظومات التجسس والتشويش والرصد الإلكتروني.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث، أن هذا الوجود الفرنسي تحول إلى قاعدة خلفية ومحطة لتقاطع المصالح مع محاور أجنبية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني”، قائلا “إنه حاول استغلال الأراضي التشادية لتنفيذ اختراقات أمنية واستهداف استقرار النيجر عبر حدودها الشرقية، بهدف إضعاف حلفاء الجزائر ومحاصرة نفوذها الإقليمي.”

خيارات حاسمة أمام القيادة التشادية

وأشار الباحث إلى أن الجزائر تحركت، في مواجهة هذه التهديدات، وفق استراتيجية أمنية تهدف إلى نقل المواجهة خارج حدودها المباشرة، معتبرًا أن الرسالة الرئاسية وضعت القيادة التشادية أمام خيارين؛ أولهما الاستمرار في توفير الغطاء الأمني واللوجستي لما وصفه بالمخططات الغربية والصهيونية، وثانيهما العودة إلى التنسيق الأمني المباشر مع الحاضنة الإفريقية والقوة الإقليمية الأكبر في المنطقة.

ولفت الباحث إلى أن التحرك الجزائري، لم يقتصر على الرسائل السياسية، بل شمل التلويح بأوراق ضغط ميدانية، من بينها ما وصفه بأداة “العمق الروحي والاجتماعي”، المرتبطة بامتدادات القبائل والعائلات المشتركة والعابرة للحدود بين الجنوب الجزائري والنيجر وتشاد.

واعتبر بوعزة أن هذه الامتدادات تمثل أداة تأثير يمكن للجزائر توظيفها لإعادة ترتيب التوازنات القبلية والاجتماعية في المنطقة، وعزل أي توجه للسلطة الحاكمة في نجامينا يرى أنه يهدد المصالح الجزائرية.

أبعاد اقتصادية وطاقية للتحرك الجزائري

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث أن الرسالة تحمل أبعادًا اقتصادية وطاقية ترتبط بالحسابات الأمنية، موضحًا أن محاولات خنق النيجر وعزلها عبر البوابة التشادية تستهدف المشاريع الاستراتيجية المشتركة في القارة، وفي مقدمتها خطوط الأنابيب وممرات التجارة الإفريقية البينية.

وأضاف أن مواجهة التغلغل الصهيوني في تشاد تعني، حماية هذه الممرات الحيوية وتأمين العمق الجنوبي للمنطقة من أي عمليات تخريبية محتملة، قد تقف وراءها أجهزة استخبارات أجنبية.

التحرك الاستباقي وحسابات الأمن القومي

وخلص الباحث مداخلته بالقول، “أن التحرك الجزائري يعكس يقظة مبكرة تجاه التهديدات الأمنية والعسكرية والرقمية عند تخوم منطقة الساحل”، مشيرًا إلى أن الجزائر تسعى من خلال هذا التحرك إلى إعادة فرض قواعد التعامل مع التحديات الإقليمية، ومواجهة محاولات تطويقها والضغط على مصالحها الاستراتيجية.

وأكد أن أمن منطقة الساحل يرتبط، في هذه المقاربة، بقدرة الجزائر على حماية عمقها الجنوبي ومواجهة محاولات الاختراق الخارجي، مستندة إلى إمكاناتها الأمنية والاستخباراتية وحضورها الإقليمي.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام