تعيش العلاقات الجزائرية-المصرية خلال السنوات الأخيرة حركية متسارعة تعكس إرادة سياسية واضحة لدى قيادتي البلدين للانتقال من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية أكثر عمقًا وتنظيمًا. ومع تعدّد التحدّيات الإقليمية والتحوّلات الدولية المتلاحقة، يبرز هذا التقارب كخيار ضروري يهدف إلى تعزيز التنسيق بين بلدين يشتركان في الأهداف نفسها، سواء على صعيد الأمن الإقليمي أو التنمية الاقتصادية.
وفي ظل هذه الديناميكية الجديدة، جاءت الزيارة الأخيرة للوزير الأول سيفي غريب إلى القاهرة، لترؤس رفقة نظيره المصري مصطفى المدبولي أشغال الدورة التاسعة للجنة المشتركة العليا الجزائرية-المصرية للتعاون، وما رافقها من توقيع 18 اتفاقية ومذكرة تفاهم، لتؤكد أن الطرفين بصدد وضع أسس مرحلة أكثر قوة وفعالية في مسار العلاقات الثنائية.
ولفهم طبيعة دينامية العلاقة الجزائرية-المصرية، قدّم المحلّل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور رابح لعروسي في تصريحات لـ«شرشال نيوز» قراءة معمّقة ومفصّلة للتقارب بين الجزائر ومصر، مشيرًا إلى أن هذا التحرّك ليس مجرد تقارب مؤقت أو عابر، بل هو مسار مبني على مصالح مشتركة ويستجيب للتحديات الإقليمية والدولية الراهنة. كما أكّد أن الظروف الإقليمية الحالية تجعل التنسيق الأعمق بين البلدين أمرًا ضروريًا.
وأشار لعروسي إلى أنّ كلّ المؤشّرات الحالية تشير إلى أنّ الجزائر ومصر تتّجهان نحو مرحلة جديدة من العلاقات، تتميّز بالقوة والتنظيم، لا سيما في مجالي الأمن والاقتصاد.
مجالات التعاون والشراكة بين البلدين
وأوضح لعروسي أن الشراكة الاستراتيجية المحتملة بين البلدين تمتد إلى عدة محاور:
الأمن والدفاع:
أشار لعروسي إلى أهمية مجال الأمن والدفاع الذي يلعب دورًا أساسيًا في التعاون بين الجزائر ومصر، خاصة فيما يتعلّق بتبادل المعلومات لمكافحة الإرهاب، وتعزيز التنسيق حول الملف الليبي، وتأمين الحدود.
الطاقة:
وتطرّق لعروسي إلى ملف الطاقة، مبرزاً أهميته كأحد أهم المواضيع المطروحة؛ إذ يتضمن خططاً للتعاون تشمل إقامة شراكات في الغاز الطبيعي والبتروكيماويات، بالإضافة إلى مشاريع مستقبلية تتعلّق بالهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.
الاقتصاد والتجارة:
وأوضح أن المجال الاقتصادي يحظى بأهمية خاصة، وذلك من خلال زيادة حجم الاستثمارات المصرية في الجزائر، وخاصة في مجالات الصناعات الدوائية، ومواد البناء، والصناعات الغذائية، فضلاً عن تسهيل دخول المنتجات الجزائرية إلى السوق المصرية والعكس صحيح بين الطرفين لتعزيز التكامل التجاري.
النقل واللوجستيك والتعليم والثقافة:
وأشار المتحدّث إلى التعاون في مجال النقل واللوجستيك، مؤكداً أنه تعاون مهمّ يعزّز العلاقات البينية بين البلدين، وموضحاً ذلك بذكر مشروع ربط ميناء الإسكندرية بميناء الجزائر عبر خط بحري منتظم، بهدف تسهيل حركة البضائع ورجال الأعمال.
والتعليم والثقافة:
كما يشمل التعاون مجالات التعليم والثقافة لتعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين الشعبين.
المكاسب المتبادلة للطرفين
واختتم لعروسي تصريحه بالحديث عن المكاسب التي يمكن أن يجنيها الطرفان قائلا:
“نقطة أخرى يمكن الإشارة إليها أيضًا هي ما يتعلّق بالمكاسب التي يمكن أن يكسبها الطرفان من هذه الشراكة الاستراتيجية. لعلّ الطرف الجزائري سيزيد من حضوره الإقليمي عبر التحالف العربي القوي مع الشريك المصري الذي يعدّ، إلى جانب الجزائر، كواجهة في شمال أفريقيا وقوّتان لا بأس بهما. أما الشقّ المصري أيضًا فهو يشتغل على البحث عن تموضع أكبر على مستوى شمال أفريقيا وفتح أسواق جديدة للشركات المصرية في الجزائر، وفي المقابل أيضًا تعزيز حضورها في ملفات الأمن الإقليمي على مستوى المنطقة الأفريقية وشمال أفريقيا وحتى المنطقة العربية.




