الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء

الجزائر تفتح شبكتها للغاز الإفريقي.. TSGP يعزز موقعها بوابةً للطاقة نحو أوروبا

يتجه مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى منح الجزائر وظيفة تتجاوز تصدير إنتاجها الوطني، عبر تحويل شبكتها الغازية إلى منفذ لتجميع ونقل الغاز القادم من نيجيريا نحو الأسواق الأوروبية. فالمشروع، الممتد لنحو 4200 كيلومتر عبر نيجيريا والنيجر والجزائر، صُمم بطاقة أولية تبلغ 20 مليار متر مكعب سنويًا قابلة للارتفاع إلى 30 مليار متر مكعب، مع ربط مباشر في نهايته بمنظومة حاسي الرمل ومنشآت التصدير الجزائرية.

وجاء هذا البعد في صلب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» هيثم الغيص خلال زيارته إلى الجزائر بين 26 و29 سبتمبر 2026، حيث وصف المشروع بأنه من المبادرات المهمة لتعزيز أمن الإمدادات الأوروبية، إلى جانب دوره في خلق النشاط الاقتصادي والوظائف ودعم التكامل بين الجزائر والنيجر ونيجيريا.

وتأتي تصريحات الغيص بعد انتقال المشروع إلى مرحلة أكثر تقدمًا من الناحية التقنية. ففي 3 جوان 2026 صادقت الدول الثلاث على التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحينة التي أعدها مكتب «Penspen»، قبل إطلاق الأشغال في المقطع الجزائري من أولف بولاية أدرار في اليوم التالي.

هذا ويبلغ قطر الأنبوب 48 بوصة، فيما يقدر طول المقطع داخل النيجر بنحو 720 كيلومترًا. ويجري العمل على استكمال الدراسات الهندسية والترتيبات الخاصة بالمقاطع المتبقية، بالتوازي مع إعداد الهيكلة التجارية والمالية للمشروع وتأسيس الشركة المشتركة التي ستتولى إدارة مراحل التنفيذ والاستغلال.

كما تمنح الجغرافيا الجزائر أفضلية واضحة في الجزء الأخير من السلسلة. فالأنبوب سيصل من الحدود النيجرية إلى حاسي الرمل بمحاذاة الطريق العابر للصحراء ومناطق تمر بها بنية غازية قائمة، قبل الاندماج في الشبكة الوطنية المرتبطة بخطوط التصدير نحو أوروبا ومحطات تسييل الغاز الطبيعي.

وبذلك لن يحتاج الغاز النيجيري عند وصوله إلى الجزائر إلى إنشاء منظومة تصدير منفصلة بالكامل، بل يمكن توجيهه عبر أصول قائمة في النقل والضغط والمعالجة والتسييل.

وتمنح هذه الهندسة للمشروع بعدًا اقتصاديًا مباشرًا بالنسبة إلى الجزائر، إذ يمكن أن يرفع معدل استغلال منشآتها الغازية ويضيف نشاطًا مرتبطًا بالنقل والمعالجة والخدمات الفنية والتجارية وتسويق الكميات العابرة.

كما يوسع موقع سوناطراك من منتج ومصدر للغاز الجزائري إلى طرف داخل سلسلة تصدير موارد غازية إفريقية نحو الأسواق العالمية. وتقوم الجدوى الإقليمية للمشروع على تكامل ثلاث حلقات. تمتلك نيجيريا قاعدة احتياطيات كبيرة من الغاز تحتاج إلى منافذ تصدير إضافية، فيما تشكل النيجر دولة عبور تقع في قلب المسار، بينما تمتلك الجزائر البنية النهائية اللازمة لإيصال الغاز إلى المتوسط.

ولهذا يندرج TSGP إلى جانب الطريق العابر للصحراء وشبكة الألياف البصرية ضمن المشاريع القارية التي تربط شمال إفريقيا بغربها عبر النيجر، بما يحول الممر تدريجيًا إلى محور للنقل والطاقة والاتصالات.

وتزداد أهمية هذا المسار مع استمرار الجزائر في احتلال موقع متقدم داخل سوق الغاز الأوروبية. فقد مثل الغاز الجزائري 18.2% من قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في حالته الغازية خلال الربع الثاني من 2026، بما وضع الجزائر في المرتبة الثانية بعد النرويج، فيما بلغت حصتها من واردات الغاز الطبيعي المسال 8.1%. وتعني إضافة تدفقات من نيجيريا مستقبلًا أن البنية الجزائرية يمكن أن تخدم كميات تفوق الإنتاج المحلي وحده، وهو ما يعزز دور البلاد داخل منظومة الإمداد بين إفريقيا وأوروبا.

وتظهر أهمية هذا الخيار بصورة أكبر في ظل الضغوط التي تواجهها الأسواق الأوروبية خلال 2026، مع تراجع مستويات التخزين في بعض أكبر الاقتصادات وارتفاع أسعار الغاز، بالتوازي مع استمرار الدول الأوروبية في تنويع مصادرها بعد انخفاض الاعتماد على الإمدادات الروسية.

وفي هذا السياق، يوفر TSGP لأوروبا مصدرًا إضافيًا لا يتطلب إنشاء سلسلة تصدير بحرية جديدة بالكامل، فيما يمنح الجزائر إمكانية استثمار موقعها ومنشآتها القائمة لتوسيع وظيفة قطاع الغاز من إنتاج المورد إلى إدارة عبوره وتسويقه.

لكن الوصول إلى الطاقة القصوى البالغة 30 مليار متر مكعب سنويًا يبقى مرتبطًا بعدة شروط، في مقدمتها تأمين كميات الغاز في المنبع النيجيري، وإنجاز المقطع العابر للنيجر، واستكمال الهيكلة التمويلية وتأسيس الشركة المشتركة، ثم توفير عقود شراء طويلة الأجل تسمح بضمان العائد على الاستثمار.

كما أن المشروع يدخل مرحلة التنفيذ في وقت تدافع فيه «أوبك» عن استمرار الاستثمار في النفط والغاز، في مواجهة السيناريوهات التي تفترض اقتراب ذروة الطلب العالمي.

وخلال زيارته إلى الجزائر، حذر الغيص من أن التقليل من احتياجات النفط والغاز المستقبلية قد يدفع المنتجين إلى خفض الاستثمارات قبل الأوان، فيما تتوقع «أوبك» ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة بنحو 23% حتى 2050، وصعود الطلب على النفط إلى قرابة 124 مليون برميل يوميًا.

وتقدر المنظمة احتياجات الاستثمار النفطي بنحو 17.7 تريليون دولار بين 2026 و2050، معتبرة أن الاستثمارات الجديدة ستكون ضرورية في الوقت نفسه لتغطية ارتفاع الطلب وتعويض التراجع الطبيعي في الحقول المنتجة.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام