أصدرت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة قرارين يقضيان بإنشاء مهرجانين ثقافيين دوليين جديدين، أحدهما مخصص لصناعة كتاب الطفل والناشئة بالجزائر العاصمة، والآخر لأدب وثقافة الطفل والناشئة بورقلة، وذلك ضمن ثلاثة قرارات وزارية صدرت في العدد 70 من الجريدة الرسمية، تتعلق بتأسيس مهرجانات ثقافية ذات طابع وطني ودولي.
وفي هذا السياق، تفتح “شرشال نيوز” ملف أدب الطفل في الجزائر، من خلال حوار مع البروفيسور العيد جلولي، المختص في أدب الطفل، للوقوف عند أهمية هذه المبادرة الثقافية وآفاقها في تطوير الكتاب الموجه للأطفال والناشئة، وتعزيز مكانة هذا الأدب في المشهد الثقافي الوطني.
شرشال نيوز: ما تعليقكم على قرار وزيرة الثقافة والفنون، الدكتورة مليكة بن دودة، إنشاء مهرجانين ثقافيين دوليين جديدين لكتاب الطفل في الجزائر العاصمة وورقلة؟
البروفيسور العيد جلولي: أرى أن هذا القرار يمثل خطوة ثقافية مهمة تستحق التثمين، لأنه يعكس وعيا متزايدا بأهمية أدب الطفل وكتاب الناشئة في بناء الإنسان، وترسيخ الهوية الثقافية، وتنمية الوعي والخيال والذائقة الجمالية لدى الأجيال الصاعدة وأعتقد أن إنشاء مهرجانين دوليين متخصصين في هذا المجال ليس مجرد إضافة عددية إلى خريطة المهرجانات الثقافية الجزائرية، بل يمكن أن يشكل منطلقا لتأسيس رؤية وطنية جديدة تجعل من ثقافة الطفل أولوية في السياسات الثقافية.
شرشال نيوز كيف يمكن أن تساهم هذه المهرجانات في الارتقاء بأدب الطفل في الساحة الثقافية الجزائرية؟
البروفيسور العيد جلولي: ينبغي أن ننظر إلى هذه المهرجانات باعتبارها فرصة لإعادة الاعتبار إلى أدب الطفل، ليس بوصفه جنسا أدبيا هامشيا أو نشاطا موجها للتسلية فحسب، وإنما بوصفه مجالا إبداعيا ومعرفيا متكاملا، له خصوصياته الفنية والجمالية، وله دوره في تشكيل شخصية الطفل وتنمية قدراته اللغوية والعقلية والوجدانية ويمكن لهذه المهرجانات أن تسهم في تطوير أدب الطفل الجزائري عبر مسارات متعددة.
شرشال نيوز: ما أهمية إنشاء مهرجان دولي لصناعة كتاب الطفل والناشئة بالجزائر العاصمة؟
البروفيسور العيد جلولي: تنبع أهمية هذا المهرجان من أن كتاب الطفل أصبح اليوم جزءا من صناعة ثقافية متكاملة، تتداخل فيها الكتابة والنشر والرسم والتصميم والطباعة والتوزيع والتسويق والترجمة والحقوق الأدبية، فضلا عن إمكانات تحويل النصوص إلى كتب إلكترونية ومسموعة وأعمال سمعية بصرية ومن هنا، فإن تخصيص مهرجان دولي لصناعة كتاب الطفل والناشئة يمكن أن يفتح المجال أمام الناشرين الجزائريين للتعرف على تجارب دولية متقدمة، وتبادل الخبرات، واستكشاف فرص الشراكة، وتطوير آليات الإنتاج والتوزيع كما يمكن أن يشجع الاستثمار في الكتاب الموجه إلى الأطفال، ويسهم في خلق فرص عمل للمؤلفين والرسامين والمصممين والمترجمين وسائر العاملين في هذه الصناعة، وأرى أن من المهم أن يتضمن هذا المهرجان فضاء مهنيا للناشرين، ولقاءات بين المؤلفين والرسامين والمنتجين، ومعارض للحقوق والترجمة، وورشات حول النشر الرقمي والكتاب التفاعلي والكتاب المسموع.
شرشال نيوز: وماذا عن اختيار ورقلة لاحتضان مهرجان دولي لأدب وثقافة الطفل والناشئة؟
البروفيسور العيد جلولي:أعتقد أن اختيار ورقلة يحمل دلالة ثقافية مهمة، لأنه يفتح المجال أمام توسيع الخريطة الثقافية الوطنية، ويؤكد أن الاهتمام بالطفل والكتاب لا ينبغي أن يظل محصورا في العاصمة والمدن الكبرى، فورقلة، بما تمثله من عمق تاريخي وثقافي واجتماعي في الجنوب الجزائري، قادرة على احتضان تظاهرة تمنح الثقافة المحلية حضورا أوسع، وتفتح أمام الأطفال والناشئة فرصا للتفاعل مع الأدب والفنون والتجارب الثقافية المختلفة، كما يمكن للمهرجان أن يسهم في اكتشاف المواهب الموجودة في الجنوب، وتشجيع الكتابة المستلهمة من الذاكرة المحلية والبيئة الصحراوية، والتراث الشفهي والحكايات الشعبية، مع الانفتاح على القضايا الإنسانية المعاصرة.
شرشالل نيوز: كيف يمكن أن تنعكس هذه المهرجانات على مكانة الجزائر إقليميا ودوليا، خاصة أن طابعها دولي؟
البروفيسور العيد جلولي: إن البعد الدولي لهذه المهرجانات يتيح للجزائر فرصة مهمة لتعزيز حضورها الثقافي، وتقديم صورتها بوصفها بلدا يمتلك تراثا أدبيا وثقافيا متنوعا، ويولي اهتماما بمستقبل أطفاله وناشئته، لكن الطابع الدولي لا يتحقق بمجرد استضافة ضيوف من بلدان مختلفة، بل يحتاج إلى برنامج علمي وإبداعي متكامل، وإلى مشاركة نوعية لمؤلفين وناشرين وباحثين ومترجمين وفنانين، وإلى شراكات مستمرة مع المؤسسات الثقافية العربية والإفريقية والدولية.
شرشال نيوز: تمتلك الجزائر أسماء أدبية مهمة في هذا المجال، وقد تمكن عدد من المبدعين من الفوز بجوائز عربية، ومن بينهم تتويجكم الأخير في مصر كيف يمكن استثمار هذه التجارب؟
البروفيسور العيد جلولي: إن وجود أسماء جزائرية حققت حضورا وتقديرا في مسابقات عربية ودولية يمثل عنصر قوة ينبغي استثماره ضمن مشروع وطني أوسع لدعم أدب الطفل، فالتتويجات الفردية، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما يمكن أن تكون مدخلا للتعريف بالقدرات الإبداعية الجزائرية، وإبراز ما يمتلكه الكتاب والمبدعون من إمكانات فنية ومعرفية وأشكر كل من يولي اهتماما بهذه التجارب ويحرص على إبرازها، كما أعتز بما حققه المبدع الجزائري من حضور في المحافل الثقافية العربية، ومنه التتويج الأخير في مصر وأرى أن مثل هذه النجاحات ينبغي ألا تبقى مناسبات للاحتفاء بأصحابها فحسب، بل يجب أن تتحول إلى فرص لتشجيع الأجيال الجديدة، وإبراز الكتاب الجزائري، وتعزيز الثقة في قدرات المبدع الوطني ومن المهم أن تعمل المؤسسات الثقافية على توثيق هذه التجارب، والتعريف بأصحابها وأعمالهم، وإتاحة كتبهم للقراء، وإدراج نماذج مختارة منها ضمن برامج المهرجانات والملتقيات، كما يمكن تنظيم لقاءات تجمع المبدعين أصحاب التجارب المتراكمة بالكتاب الشباب، لتبادل الخبرات في الكتابة والنشر والتعامل مع المؤسسات الثقافية.
شرشال نيوز: ما الذي تقترحونه لضمان نجاح هذه المهرجانات واستمرارها ؟
البروفيسور العيد جلولي: أقترح أن تقوم هذه المهرجانات على رؤية استراتيجية مستدامة، تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى بناء مشروع وطني متكامل لثقافة الطفل وصناعة كتابه.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاركين والأنشطة فحسب، وإنما بما تتركه هذه التظاهرات من أثر في حركة النشر، وانتشار الكتاب، وتنمية عادة القراءة لدى الأطفال والناشئة.
ولتحقيق ذلك، أرى ضرورة العمل على جملة من المحاور الأساسية، في مقدمتها وضع برامج سنوية تضمن استمرار الأنشطة بين دورة وأخرى، وتعزيز الشراكة بين وزارة الثقافة والفنون ووزارتي التربية والتعليم العالي، والناشرين والجامعات والجمعيات الثقافية. كما ينبغي إنشاء فضاءات دائمة لاكتشاف المواهب الأدبية الشابة، وتنظيم ورشات للكتابة والرسم والتأليف، وتشجيع النشر والترجمة والتوزيع، بما يتيح للكتاب الجزائري الانتقال إلى الأسواق العربية والدولية.






