تشهد منطقة المغرب العربي مع بداية سنة 2026 تحولات لافتة في موازين الطاقة، بعدما تلقت الرباط ضربة قوية إثر رفض إسبانيا تزويدها بالغاز عبر منشآتها. هذا التطور لا يُعد مجرد عائق تقني عابر، بل يعكس تعثر خيار اعتمدت فيه الرباط على مدريد لتجاوز اعتمادها السابق على الغاز الجزائري.
قرار إسباني حاسم
حسمت مدريد موقفها بوضوح، مؤكدة أن منشآت إعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية تعمل حالياً بأقصى طاقتها، في ظل تدفق شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الولايات المتحدة والموجهة أساساً لتأمين احتياجات السوق الأوروبية.
وفي هذا السياق، تلتزم اسبانيا بتطبيق إجراءات تقنية صارمة تمنع أي تدفقات عكسية عبر خط أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي قد تصل إلى المغرب، وذلك في إطار احترام الاتفاقيات الطاقوية القائمة مع الجزائر.
ويأتي هذا القرار في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والاضطرابات التي تشهدها طرق الشحن البحري، ما دفع الدول الأوروبية إلى إعطاء الأولوية لأمنها الطاقوي.
تحديات أمام الاستراتيجية الطاقوية للمغرب
على مدى سنوات، راهنت الرباط على تطوير الطاقات المتجددة لتعزيز استقلالها الطاقوي. غير أن الواقع يشير إلى أن مساهمة هذه الطاقات ما تزال محدودة، وهو ما يجعل المملكة تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود الأحفوري، وعلى رأسها الغاز.
كما أن الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي المسال يظل خياراً مكلفاً ومعقداً لوجستياً، خاصة في ظل غياب منشآت وطنية لإعادة تحويل الغاز المسال، الأمر الذي يزيد من هشاشة الإمدادات الطاقوية ويجعلها مرتبطة بالبنية التحتية للدول المجاورة.
الجزائر شريك أساسي لأوروبا
في المقابل، تواصل الجزائر تعزيز موقعها كمورد رئيسي للغاز نحو أوروبا، خصوصاً لدول الجنوب الأوروبي. وتُعد البنية التحتية المتطورة لخطوط الأنابيب والقدرات الإنتاجية عاملاً أساسياً في ترسيخ هذا الدور، ما يمنح الجزائر مكانة استراتيجية في سوق الطاقة الإقليمية.
رهانات دبلوماسية معقدة
تتداخل ملفات الطاقة في المنطقة مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية، وهو ما يجعل مستقبل التعاون الإقليمي مرتبطاً بمدى قدرة دول المنطقة على بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار.
ويرى متابعون أن التحولات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى الأزمات الجيوسياسية، تدفع دول المغرب العربي إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الطاقوية والبحث عن حلول أكثر استدامة لضمان أمنها الطاقوي.
مرحلة جديدة في توازنات المنطقة
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن سنة 2026 قد تشكل منعطفاً مهماً في خريطة الطاقة في المنطقة. فبينما تسعى الدول الأوروبية إلى تأمين إمداداتها في بيئة دولية متقلبة، تجد دول المغرب العربي نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها الطاقوية وتعزيز التعاون الإقليمي لتفادي أزمات مستقبلية.




