في الفاتح من نوفمبر من عام 2026، تحيي الجزائر الذكرى الثانية والسبعين لليلة لم تكن كسائر الليالي، ليلة أضاءت نيران البنادق والقنابل عتمتها، لتعلن في ساعاتها الأولى بزوغ فجر الثورة. ثورة لم تكن وليدة ليلة أو يوم أو شهر أو سنة، بل امتدادًا لسنوات طويلة من الظلم والقهر والمعاناة، ومحاولات طمس الهوية وتزييف التاريخ والدين، وسنوات من المقاومة الباسلة التي ضحى خلالها رجال بالغالي والنفيس من أجل تطهير هذه الأرض من دنس الاستعمار.
إنّ هذه الذكرى الخالدة، التي تتجدد اليوم تحت شعار “نوفمبر… ذاكرة وطن ومستقبل أمة”، ليست مجرد لحظة احتفالية بتاريخ ثورة مجيدة انارت درب كل أحرار العالم من أجل تقرير المصير ونيل الحرية و الاستقلال، وانما ذكرة مجيدة لاستحضار تاريخ هذه الأرض الشامخة و الأمة المتجذرة ، من أيام ماسينيسا و يوغرطة و يوبا الأول و الثاني وحكمة بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي وصولاً إلى فجر الدولة الحديثة مع الأمير عبد القادر وأحفاده الأشاوس في معركة التحرير والبناء والتشييد.
ان الفاتح من نوفمبر ذكرى لاستحضار تاريخنا المجيد، ليس فقط بعد الثاني و السبعين عاما وانما عبر آلاف السنين، فنستحضر كل المعارك التي خاضها الأسلاف و الأجداد و الأباء من أجل أن تبقى الجزائر حرة سيدة بين كل الأمم.
ان نوفمبر الذي قال فيه شاعره مفدي زكريا :
“نوفمـــبر جلّ جلالك فينا ٭٭٭ ألست الذي بث فينا اليقينا”،
سبحنا على لجج من دمانا ٭٭٭ و للنصر رحنا نسوق السفينا
و ثرنا ، نفجر نارا و نورا ٭٭٭ و نصنع من صلبنا الثائرينا
و نلهم ثورتنا مبتغانا ٭٭٭ فتلهم ثورتنا العالمينا
يجعلنا اليوم أكثر شيء يجب أن نردده لنستحضر مجدنا و يقيننا بالنصر في معركتنا القادمة كأمة واحدة من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها في معركة الوعي والتي تتطلب منا إدراكا متزايدا بحجم التحديات والتهديدات التي تحيط بنا و بمستقبل محيطنا الإقليم الذي نتقاسم معه التاريخ والهوية و الدين، لنكون قادرين بالفعل على الاستمرار والبقاء في عالم لا يرحم من ترك وعيه مستباحا لسرديات الغير.
وكما قال العالم الجزائري الجليل سيدي عبد الرحمن الثعالبي في نص بيته الخالد:
إنّ الجزائر في أحوالها عجبٌ… ولا يدوم بها للناس مكروهُ
ما حلّ عُسرٌ بها أو ضاق متّسعٌ… إلاّ ويُسرٌ من الرحمن يتلوه
نذكّر كل من أراد بهذه الأرض والأمة سوءا، بأن الجزائر في أحوالها “عجبٌ”، فلا داعي أن تراهن على أي جبهة مهما كان، فالبنيان مرصوص تجسده رابطة جيش-أمة، و على الحدود جنود مرابطون و أعين ساهرة، وعلى أمن الجزائر و استقرارها قلعة شرشال مدرسة الرجال المنتصرة.
مهدي الباز




