افتتاحية شرشال نيوز الأولى الوطني

أكتوبر.. شهر الأمم المتحدة ومحطة بارزة في تاريخ الدبلوماسية الجزائرية

يحمل شهر أكتوبر مكانة خاصة في تاريخ التنظيم الدولي وفي تاريخ الدبلوماسية الجزائرية. ففي هذا الشهر من عام 1945، دخل ميثاق الأمم المتحدة حيز التنفيذ، لتقوم المنظمة الأممية الجديدة بديلًا عن عصبة الأمم التي عجزت عن منع الحرب،ولتُلزم الدول بقواعد أممية تحفظ السلم والأمن الدوليين. وفي الثامن منه عام 1962، وبعد أشهر قليلة من استرجاع السيادة الوطنية، انضمت الجزائر رسميًا إلى المنظمة. ولم يكن ذلك الانضمام إجراءً شكليًا أو بروتوكوليًا، بل إعلانًا أمام العالم عن إعادة ولادة دولة حرة مستقلة انتزعت حقها بعد ثورة تحرير كبرى، مارست فيها الحرب والدبلوماسية معًا، فانتقلت من مجرد قضية تتداولها أروقة المنظمة إلى دولة فاعلة تدافع عن حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها،وكذا قوة دبلوماسية ترافع من أجل الشرعية الدولية و اصلاح أجهزة الأمم المتحدة.

بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، ما زالت الأمم المتحدة قائمة ومستمرة رغم تعاقب الأزمات وتعقّد التحولات الدولية، من الحرب الباردة إلى عالم متعدد الأقطاب تتزايد فيه بؤر التوتر وتتصاعد فيه الأزمات. ورغم الانتقادات المتواصلة لضعف أدائها وتراجع فاعليتها، وتراجع القوى عن الالتزام بميثاقها، يظل العالم في حاجة ماسة إليها بوصفها الإطار الجامع الذي ينظم العلاقات بين الدول ويكفل حق الشعوب في العيش في أمن وسلام وكنف الحرية والاستقلال.
وتستمد المنظمة قيمتها الحقيقية وقوتها على الصمود من ميثاقها الذي يكرّس مبادئ واضحة، أولها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحل النزاعات بالحوار، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهي مبادئ لو التزمت بها القوى الكبرى بصدق، لجنّبت العالم كثيرًا من ويلات الحروب وسياسات الكيل بمكيالين التي تتخفى وراء شعار “المصالح الوطنية”.

وانطلاقًا من تجربتها التاريخية وإرث ثورتها المجيدة، جعلت الجزائر هذه المبادئ ركيزة ثابتة لسياستها الخارجية. فواصلت الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضيتان الفلسطينية والصحراوية، ودعت باستمرار إلى الحلول السلمية في كثير من الأزمات الدولية ورفض كل أشكال التدخلات الأجنبية.
كما تبنت موقفًا ثابتًا يدعو إلى إصلاح النظام الدولي في شكله السياسي و الاقتصادي، وتعزيز تعددية الأطراف داخل الهيئات الأممية، بما يضمن تمثيلًا عادلًا ومنصفًا لدول الجنوب والقارة الإفريقية. وفي ذلك تكمن قوة الموقف الجزائري الذي يمتد عبر العقود، ولا يتبدل بتبدل موازين القوى، ولا بتقلب الظرف الدولي، ولا حتى بتغير بنية النظام الدولي.

ولم تكن هذه الرؤية مجرد مواقف نظرية أو خطابات سياسية في مختلف المنابر والهيئات الدولية، بل تجسدت في محطات تاريخية بارزة.
ففي عام 1974، وبمبادرة جزائرية، انعقدت الدورة الاستثنائية للجمعية العامة حول المواد الأولية والتنمية، التي خرجت بإعلان يدعو إلى نظام اقتصادي دولي جديد يضع حدًا لاستغلال ثروات الدول النامية ويحقق العدالة الاقتصادية، لتعلن الجزائر أمام العالم رفضها كل أشكال الهيمنة الإمبريالية على ثروات الدول وشعوبها المستضعفة.
وقد حققت الجزائر من خلال هذه الدورة نقلة جديدة لم يسبق أن حققتها دول أخرى، وذلك بنقل الصراع الدولي من البعد السياسي والعسكري إلى البعد الاقتصادي، وتسليط الضوء على الفجوة بين الشمال المتقدم والجنوب النامي، وهي الفجوة التي كانت سببًا في تخلف العديد من الشعوب، لا سيما شعوب القارة الإفريقية وشعوب المنطقة الأفروآسيوية.
ولم تتوقف الجزائر منذ ذلك التاريخ عن مواصلة حضورها الفاعل في مختلف المحافل الأممية وفي مجلس الأمن، لا سيما خلال عهدتها الأخيرة “2024-2025″، التي وظّفتها منبرًا للدفاع عن الشعب الفلسطيني والدعوة إلى إصلاح آليات اتخاذ القرار داخله، بما يحقق العدل وينصف الأمم المظلومة في مختلف أرجاء المعمورة.

وتبرز رؤية الجزائر هذه في مسار نضال دبلوماسي إفريقي خالص، يمثله موقف الاتحاد الإفريقي الداعي إلى إنهاء “الظلم التاريخي” الواقع على القارة منذ نشأة التنظيم الدولي.
فمن غير المنطقي أخلاقيًا وسياسيًا أن تظل قارة بحجم إفريقيا، تضم 54 دولة وتستحوذ قضاياها على النصيب الأكبر من مداولات مجلس الأمن، محرومة تمامًا من أي مقعد دائم فيه.
واستنادًا إلى هذا الموقف الإفريقي الخالص، تدعو الجزائر إلى منح إفريقيا مقعدين دائمين بكامل الصلاحيات، بما فيها حق النقض أو ما يُعرف بـ”الفيتو”، وخمسة مقاعد غير دائمة، مؤكدة أن مجلسًا قائمًا على موازين قوى تعود إلى عام 1945 لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات عالم اليوم، وأن شرعيته نفسها باتت رهينة بمدى استعداده للتغيير والتكيف مع التحولات الجيوسياسية الحاصلة في العالم.
فإفريقيا اليوم ليست إفريقيا الماضي، فشعوب هذه القارة أصبحت أكثر نضجًا وإدراكًا لمختلف التحولات الجيوسياسية الجارية. ولهذا، تطمح إفريقيا اليوم إلى أن تكون لها مكانة بين القوى الخمس الكبرى، وهي تثق في الجزائر وفي الدول الإفريقية ذات الوزن والتأثير، من أجل الانتصار على الظلم وانتزاع مقعد أو أكثر في المستقبل.

إن إحياء ذكرى انضمام الجزائر إلى الأمم المتحدة ليس مجرد استرجاع لحدث تاريخي يتوقف عند الثامن من أكتوبر، بل هو تأكيد متجدد على أن سيادة القانون والشرعية الدولية هما الضمانة الوحيدة لأمن العالم واستقراره. وفي زمن تتعدد فيه الأزمات ويتراجع فيه احترام القانون الدولي، يظل ثبات الدول على مبادئ العدالة وحقوق الشعوب الرصيد الحقيقي والمستدام في ميزان التاريخ، وتظل الجزائر نموذجًا إفريقيًا وعربيًا وازنًا في احترام الشرعية الدولية والالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدبلوماسية، فضلًا عن كونها مرجعية في الدبلوماسية الأخلاقية.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام