لأعوام طويلة، عانت السينما الجزائرية في صمت قاتل، نتيجة أسباب عدة، في مقدمتها غياب إرادة سياسية حقيقية للنهوض بهذا القطاع الذي همّش لسنوات عديدة. غير أنّ الدولة، مؤخرًا، وعلى رأسها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أولت اهتمامًا بالغًا بالسينما، باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا وأحد أهم أدوات القوة الناعمة للجزائر.
ومن خلال خطابات الرئيس المتعلقة بالسينما، تتضح ملامح رؤية واضحة تهدف إلى إعادة بعث هذا القطاع وتحويله إلى وسيلة فعّالة لترسيخ الهوية الوطنية وصون الذاكرة التاريخية.
في هذا السياق، يبرز فيلم “أحمد باي” كعمل فني يتجاوز حدود الصناعة السينمائية ليجسّد ملحمة وطنية وتاريخية تعكس روح المقاومة الجزائرية الرافضة لكل أشكال الاستعمار. هذا الفيلم، الذي أُنجز سنة 2018 وبقي حبيس الأدراج لسنوات، يعود اليوم إلى الواجهة بعد الموافقة على عرضه في قاعات السينما، في خطوة تعكس عودة السينما التاريخية والوطنية بقوة.
عودة السينما التاريخية
بانطلاق عرضه الشرفي قريبًا، يشكّل فيلم “أحمد باي” محطة مفصلية في مسار استعادة السينما الجزائرية لدورها الريادي، من خلال تجسيد شخصية القائد المقاوم أحمد باي، أحد أبرز رموز المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي. العمل من إخراج المخرج الإيراني جمال شورجة، في إطار إنتاج مشترك بين الجزائر وإيران، وقدّم رؤية سينمائية تجمع بين الدقة التاريخية والبعد الملحمي.
ويُعد جمال شورجة من الأسماء البارزة في السينما التاريخية والدينية، ومن بين أبرز أعماله فيلم ومسلسل “النبي يوسف”، الذي حظي بانتشار واسع في العالم الإسلامي، ما منح فيلم “أحمد باي” بعدًا فنيًا وخبرة إخراجية واضحة في معالجة الأعمال ذات الطابع التاريخي.
أحمد باي… مقاومة بعد سقوط الإيالة
يستعرض الفيلم سيرة أحمد باي، القائد العسكري الذي قاد مقاومة شرسة في منطقة قسنطينة “بايلك الشرق” خلال القرن التاسع عشر. فبعد سقوط إيالة الجزائر التي كانت تحت حكم الداي حسين سنة 1830، اختار أحمد باي مواصلة المقاومة المسلحة ورفض الخضوع للاحتلال الفرنسي، متمسكًا بفكرة السيادة الوطنية إلى آخر رمق، ومحوّلًا قسنطينة إلى آخر معاقل الصمود في وجه الاستعمار.
في عمل عرف مشاركة أكثر من 70 ممثلًا، ضمن مشاهد صُوّرت في الجزائر العاصمة، تيبازة وبوسعادة، على مدار أكثر من خمسة أشهر من التحضير والتصوير، ما يعكس حجم الإنتاج والجهد الفني المبذول في إخراجه.
محطات تاريخية مفصلية من تاريخ الجزائر في عهد الداي والباي
ويرصد الفيلم ثلاث محطات أساسية شكّلت منعطفات حاسمة في تاريخ الجزائر، تبدأ بدخول القوات الفرنسية إلى الجزائر سنة 1830، مرورًا بمعركة قسنطينة سنة 1836، التي ألحق خلالها أحمد باي هزيمة تاريخية بالجيش الفرنسي، وصولًا إلى معركة حاسمة جسّدت إصرار الجزائريين على الدفاع عن السيادة الوطنية مهما كانت التضحيات.
ومن خلال التوازي الدرامي بين شخصيتي الداي حسين وأحمد باي، يقدّم الفيلم قراءة عميقة لبدايات الاحتلال الفرنسي، بين سلطة أنهكتها التعقيدات السياسية والضغوط الدولية التي مورست على الدولة العثمانية وحلفائها في البحر الأبيض المتوسط، وقائد مقاوم اختار المواجهة ورفض منطق الاستسلام.




