الأولى الوطني

من المتوسط إلى الساحل.. الجزائر تبني ممرًا اقتصاديًا يمتد بالسكك والألياف والغاز

يتشكّل جنوب الجزائر تدريجيًا كواجهة جديدة للربط مع العمق الإفريقي، في مسار لم يعد يقوم على طريق أو مشروع منفرد، بل على شبكة متوازية من السكك الحديدية والاتصالات والطاقة. ففي أيام قليلة، دخل الربط بالألياف البصرية مع النيجر مرحلة الاستغلال، وانتقلت السكة الحديدية نحو تمنغست إلى مستوى جديد من التمويل والتنفيذ، بينما تقدمت التحضيرات الخاصة بالشطر النيجري من أنبوب الغاز العابر للصحراء. والنتيجة هي بناء محور اقتصادي تتقاطع داخله حركة البضائع والبيانات والطاقة من الجزائر نحو الساحل وما بعده.

هذا التزامن لا يبدو عرضيًا عند وضع المشاريع الثلاثة في سياق واحد. فكل منها يعالج حلقة مختلفة من حلقات الاتصال بالقارة: السكة تخفض كلفة نقل الحمولات، والألياف توفر بنية الاتصالات والخدمات الرقمية، بينما يفتح أنبوب الغاز مسارًا لتدفقات طاقوية واسعة بين غرب إفريقيا والجزائر ثم المتوسط.

كما أصبحت الوصلة الرقمية أول هذه المكونات التي تنتقل إلى التشغيل الفعلي، بعد إطلاق استغلال الربط بين الجزائر والنيجر بمدينة أساماكا في 6 أكتوبر 2026.

ويمتد المسار من إن قزام باتجاه أرليت وأغاديز، ضمن تعاون بين «اتصالات الجزائر» و«نيجر تيليكوم»، بسعة أولية تبلغ 100 جيغابت، مع مرافقة تقنية مرتبطة بالتشغيل وتعزيز التجهيزات على الجانب النيجري.

لكن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تقف عند زيادة سرعة الاتصال. فالشبكة جزء من محور أوسع يضم الجزائر والنيجر ونيجيريا وتشاد ومالي وموريتانيا، ويستهدف ربط شمال إفريقيا بالأسواق الواقعة جنوب الصحراء ضمن بنية تسمح بتطوير الخدمات الرقمية والمصرفية والتعليمية والصحية.

وقد التقط مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية هذا البعد تحديدًا في دراسة نشرها في 7 أكتوبر، عندما أدرج مشروع الألياف العابر للصحراء ضمن نماذج الممرات الاقتصادية القادرة على ربط أسواق المتوسط بالعمق الإفريقي.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، لأن الاستثمار في الاتصال الرقمي يأتي بالتوازي مع إعادة دفع محور النقل الثقيل نحو الجنوب.

فخلال اجتماع مجلس الوزراء في 4 أكتوبر، صادقت الجزائر على قبول تمويل البنك الإفريقي للتنمية للشطر الممتد من المنيعة إلى تمنغست، ضمن مشروع السكة الحديدية الذي يربط الأغواط بغرداية ثم المنيعة وإن صالح وتمنغست.

كما أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بالإطلاق الفوري لأشطر المشروع، بما يضع خط الجنوب ضمن مرحلة تنفيذ أوسع بعد سنوات من التركيز على المحاور الشمالية ومشاريع الربط المنجمي.

وتغير السكة، إذا اكتمل هذا المسار، اقتصاديات النقل بين الشمال والجنوب. فالحمولات الثقيلة والمواد المنجمية والتجهيزات والسلع الصناعية تصبح أقل اعتمادًا على النقل الطرقي لمسافات شاسعة، بينما تتوسع قدرة المناطق الجنوبية على الاتصال بمراكز الإنتاج والموانئ والأسواق الوطنية.

ولا تقف قيمة المشروع عند تمنغست. فامتداد البنية نحو أقصى الجنوب يمنحها وظيفة محتملة داخل التجارة الإفريقية، خصوصًا إذا تكاملت مع الطرق والمعابر والمناطق اللوجستية التي تربط الجزائر بدول الساحل.

وفي المسار نفسه، تتحرك الجزائر والنيجر في ملف الطاقة.

ففي 22 سبتمبر، تناولت مباحثات وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب مع الوزير الأول النيجري علي لمين زين مهمان التحضير لحملة المسح الطوبوغرافي لمسار الشطر النيجري من أنبوب الغاز العابر للصحراء.

وتتقدم هذه الخطوات بالتوازي مع نشاط سوناطراك في رقعة «كفرا»، بما يجعل الحضور الجزائري في النيجر مرتبطًا في الوقت نفسه بالاستكشاف وبمشروع نقل إقليمي للغاز.

وتكمن أهمية «TSGP» بالنسبة إلى الجزائر في أنه لا ينتهي عند حدودها الجنوبية، بل يتصل بشبكة غاز واسعة تمتد من مناطق الإنتاج إلى حاسي الرمل ثم نحو منشآت المعالجة والتصدير والأسواق المتوسطية.

وبذلك تصبح الجزائر نقطة تحويل بين مورد إفريقي يقع جنوب الصحراء وبين بنية قائمة قادرة على نقل الغاز شمالًا، وهو ما يمنح المشروع بعدًا يتجاوز العبور الجغرافي إلى الاندماج في منظومة طاقوية موجودة بالفعل.

وتضيف مشاريع الكهرباء والطاقة الشمسية مع النيجر طبقة أخرى لهذا الحضور. فقد تابعت الجزائر في سبتمبر تسريع برامج في هذين المجالين، بينما وصف الجانب النيجري الجزائر بالشريك الاستراتيجي في الطاقة.

ومع جمع هذه المشاريع، يظهر أن العلاقة الاقتصادية مع النيجر لم تعد محصورة في ملف واحد: الغاز يتقاطع مع الكهرباء، والاتصالات تتقاطع مع النقل، فيما يصبح الجنوب الجزائري نقطة ارتكاز مشتركة لهذه الشبكات.

وهذا هو النموذج الذي تدفع إليه دراسة مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية. فالباحث بول نانتوليا يعتبر أن الممر الاقتصادي لا يحقق كامل أثره بمجرد إنشاء الطريق أو السكة، وإنما عندما تتجمع حوله الطاقة والاتصالات والصناعة والخدمات والتمويل، وتظهر أنشطة إنتاجية على امتداد مساره.

وتشير الدراسة إلى وجود 79 ممرًا اقتصاديًا قائمًا أو مخططًا له في إفريقيا، بينما حدد برنامج تطوير البنية التحتية في إفريقيا «PIDA» 42 ممرًا ذا أولوية، ساهم البنك الإفريقي للتنمية في تمويل 25 منها.

وتكتسب مشاركة البنك في تمويل السكة الجزائرية نحو تمنغست دلالة إضافية ضمن هذا السياق، لأنه أحد أكبر ممولي البنية القارية، وقد ضخ أكثر من 55 مليار دولار خلال العقد الأخير في مشاريع البنية التحتية الإفريقية.

وتبقى فجوة التمويل واسعة، إذ تقدر الاحتياجات السنوية للقارة بما بين 130 و170 مليار دولار، ما يدفع نحو نماذج تمزج التمويل العمومي بموارد مؤسسات التنمية ورأس المال الخاص.

لكن الدراسة تشدد على أن جدوى الممر لا تُقاس بحجم الأموال التي تنفق عليه وحدها، بل بما يولده حوله من نشاط. فممر مابوتو، على سبيل المثال، أصبح منصة اقتصادية متكاملة لأنه جمع الطريق والسكك والموانئ بالصناعة وتحويل المعادن والبتروكيمياء والصناعات الغذائية، ويستوعب حاليًا نحو 32 مليون طن من التدفقات سنويًا ويدعم أكثر من 330 ألف وظيفة.

وهذه التجارب تمنح المشاريع الجزائرية في الجنوب معيارًا مختلفًا للنجاح. فالقيمة الأعلى لن تتحقق بمجرد وصول السكة إلى تمنغست أو تشغيل الألياف مع النيجر، وإنما عندما تنشأ حول هذه البنية مراكز لوجستية ومناطق معالجة وخدمات رقمية وتخزين واستثمار وصناعات مرتبطة بالموارد والأسواق.

ومن هنا تبدو التطورات الأخيرة كأجزاء من مشروع أوسع لإعادة تعريف الجنوب الجزائري اقتصاديًا. فبدل أن يبقى منطقة نهائية في الشبكة الوطنية، يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو القارة، تستقبل البضائع من الشمال وتدفعها جنوبًا، وتنقل البيانات في الاتجاهين، وتربط موارد الطاقة الإفريقية بالشبكة الجزائرية.

وإذا استمرت هذه المشاريع في التقدم بالتوازي، فلن تكون تمنغست وإن قزام مجرد محطات على طريق نحو الساحل، بل عقدًا داخل ممر اقتصادي قادر على منح الجزائر وظيفة جديدة بين المتوسط وإفريقيا: دولة ربط ونقل وطاقة واتصال، لا مجرد بوابة جغرافية بينهما.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام