الأولى الوطني كتاب شرشال نيوز
✒️ قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز بقلم الكاتب و المحلل السياسي السوداني سعد محمد عبدالله

نحو جيش قومي واحد في دولة القانون: قراءة في التجارب التاريخية الوطنية والدولي

تُعدّ المؤسسة العسكرية إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الوطنية وصيانة سيادتها ووحدتها وإستقرارها، غير أن دورها لا يكتمل إلا في إطار دستوري وقانوني يضمن موقعها ضمن مؤسسات الدولة، وتعود جذور القوات المسلحة السودانية إلى عام 1925م، حين تأسست قوة دفاع السودان في ظل الحكم الإستعماري البريطاني، ثم شهدت مرحلة سودنة القيادة عام 1954م تحولًا تاريخيًا مهمًا مهّد الطريق نحو قيام مؤسسة عسكرية ذات قيادة سودانية، قبيل الإستقلال في يناير 1956م، ومنذ ذلك الحين، إضطلعت القوات المسلحة بأدوار متعددة ومعقدة شملت الدفاع عن البلاد، والمشاركة في الحرب العالمية الثانية، والإسهام في عمليات حفظ السلام الإقليمية والدولية، فضلًا عن مشاركتها في حرب أكتوبر عام 1973م إلى جانب القوات المصرية والسورية؛ غير أن التاريخ العسكري السوداني شهد أيضًا تحديات جسيمة أفرزتها الأخطاء المرتبطة بالحكم والإدارة، وتمثلت في الحروب الأهلية الممتدة، والإنقلابات بمختلف أشكالها، وتداخل الأدوار السياسية والعسكرية، الأمر الذي أضعف مسار بناء الدولة المستقرة، ومنذ إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إزدادت الحاجة إلى مراجعة جذرية لبنية القطاع الأمني والعسكري في إطار إصلاح وطني واسع، بما يضمن إنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة المتعددة ومنع تكرارها، وصولًا إلى بناء مؤسسة عسكرية واحدة، وإعادة تأسيس العلاقة بين الجيش والدولة على قواعد المهنية والقومية والإنضباط الدستوري، وإزالة كل ما من شأنه إعاقة مسيرة البلاد نحو المستقبل؛ فالقوة العسكرية الحقيقية لا تُقاس بتعدد التشكيلات أو كثرة الأسلحة، وإنما بقدرتها على حماية كرامة المواطنين، وصون السيادة الوطنية، والإلتزام بالقانون، بعيدًا عن الولاءات الحزبية والقبلية والجهوية والمصالح الشخصية، ويظل بناء مؤسسة عسكرية موحدة ومهنية وخاضعة للدستور والقانون أحد المسارات المطروحة بجدية لتحقيق الإستقرار في السودان.

تكشف التجربة السودانية أن إتفاقيات السلام، على أهميتها وإسهامها في وقف النزاعات المسلحة، لا تحقق الإستقرار المستدام ما لم تقترن بمعالجة جذرية لقضية تعدد القوات ومراكز القيادة والسلاح؛ إذ يصعب على أي دولة في العالم أن تنعم بالإستقرار في ظل تعدد التشكيلات المسلحة ومراكز القرار العسكري، وأمامنا التجربة الليبية القائمة مثالًا حيًا يمكن تقييم نتائجها؛ فقد أوقفت إتفاقية السلام الشامل، التي وُقّعت عام 2005م، جانبًا رئيسيًا من الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، لكنها أبقت القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان قوتين منفصلتين في شمال السودان وجنوبه خلال الفترة الإنتقالية، وفق ترتيبات خاصة، آنتهت بإجراء إستفتاء تقرير المصير لجنوب السودان عام 2011م؛ أما إتفاقية جوبا لسلام السودان، الموقعة عام 2020م، فقد نصت على تنفيذ ترتيبات أمنية تستهدف دمج قوات الحركات المسلحة في المؤسسات النظامية وفق مصفوفة محددة، إلى جانب تشكيل قوة مشتركة لحماية المدنيين في دارفور، إلا أن تنفيذ هذه الترتيبات واجه عقبات سياسية ولوجستية وأمنية متراكمة؛ ثم جاءت حرب أبريل 2023م لتكشف خطورة بقاء تشكيلات عسكرية متنافسة تمتلك أسلحة ثقيلة، وتعمل تحت قيادات مستقلة، وتستمد نفوذها من مصادر تقع خارج منظومة القيادة الوطنية الموحدة، فضلًا عن تعرضها لتأثيرات وإملاءات خارجية، ومن منظور سياسي ومؤسسي، فإن تجاوز هذه الأزمة يتطلب عملًا وطنيًا واسعًا يجعل إحتكار الدولة لإستخدام القوة المسلحة أساسًا للشرعية، ويحدد بوضوح مهام الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، ويخضعها جميعًا لرقابة المؤسسات الدستورية والقضائية المتفق عليها في السودان، وفي هذا السياق، تبرز التوجهات المعلنة بشأن دمج القوات والتشكيلات المسلحة في إطار المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية النظامية بوصفها جزءًا من مساعي التعافي الوطني وإعادة تأسيس الدولة، ولا يعني بناء الجيش القومي والمهني إقصاء مكونات المجتمع أو إنكار مساهمات القوى التي حملت السلاح سابقًا، بل يستوجب إستيعاب الأفراد المؤهلين وفق معايير مهنية موحدة وواضحة، وتسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة، وإعادة دمجهم في الحياة المدنية بكرامة، وبذلك يصبح السلام مشروعًا وطنيًا متكاملًا يسهم في بناء أعمدة مجتمع سوداني متحد ومستقر، وإصلاح مؤسساته المدنية والعسكرية، والمضي قدمًا نحو المستقبل.

تقدم التجارب الدولية دروسًا مهمة بشأن إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية بعد إنتهاء الحروب والتحولات السياسية العميقة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن لكل دولة ظروفها التاريخية والإجتماعية الخاصة التي تستوجب بلورة حلول ملائمة لإحتياجاتها، ولا يمكن إستنساخ تجارب الآخرين بصورة حرفية، وإنما يمكن الإستفادة من دروسها وعِبرها للمضي قدمًا بوعي ورؤية ناضجة؛ ففي جنوب أفريقيا، أُعيد تشكيل المؤسسة الدفاعية بعد إنتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994م، من خلال دمج القوات النظامية السابقة مع تشكيلات عسكرية وقوى تحرير متعددة، ضمن عملية إستهدفت بناء قوة دفاع وطنية أكثر تمثيلًا للمجتمع وخضوعًا للنظام الدستوري الجديد، وفي ألمانيا الغربية، أُنشئت القوات المسلحة الإتحادية عام 1955م، بعد هزيمة النازية وإنتهاء الحرب العالمية الثانية، وفق عقيدة دفاعية جديدة وضوابط دستورية وآليات للرقابة المدنية، في سياق إعادة بناء الدولة خلال حقبة الحرب الباردة؛ أما في الجزائر، فقد شهدت البلاد، بعد الإستقلال عام 1962م، الإنتقال من حرب التحرير إلى بناء جيش وطني، وتذكّرنا تجربتا رواندا وسيراليون بأن إنهيار المؤسسات العسكرية أو تفككها في سياق الصراعات الداخلية أو الخارجية لا يمكن أن يقود إلى تحقيق السلام ما لم تصاحبه عملية شاملة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وإستعادة الثقة المجتمعية، وإصلاح القطاع الأمني وفق منهج وطني؛ فلا غنى للدولة عن جيش مدرّب ومحترف، وتكمن القيمة الأساسية لهذه النماذج في أن نجاح الإصلاح لا يتحقق بمجرد تغيير أسماء الجيوش أو دمج الوحدات شكليًا، وإنما ببناء عقيدة عسكرية وطنية راسخة، ونظام مهني واضح للترقي والتدريب والتطوير، وآليات للمساءلة والإنضباط، وضمانات تحول دون إستخدام القوة المسلحة في الصراع السياسي، كما تحول دون توظيف أدوات السياسة لتفكيك القوات المسلحة، وبالنسبة إلى السودان، فإن الإستفادة من هذه التجارب تستوجب الجمع بين وحدة القيادة، والعدالة الإنتقالية، والتسريح وإعادة الإدماج، وتفعيل الرقابة الدستورية، مع مراعاة حساسية المنهج العسكري، وتعقيدات الحرب الراهنة، وخصوصية المجتمع السوداني.

إن بناء جيش قومي واحد، وفق مشروع وطني قائم على مفهوم «جيش واحد وشعب واحد»، ليس شعارًا سياسيًا عابرًا تتداوله الألسن على المنابر العامة، بل هو شرط جوهري لإستعادة مؤسسات الدولة، ومنع تكرار الحروب والإنقلابات وتعدد مراكز القرار السيادي داخل الدولة الواحدة، ويتطلب تحقيق هذا الهدف إرادة سياسية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية والجهوية، وتضع حماية المواطنين ووحدة البلاد فوق المصالح الضيقة، وفي تقديري، فإن نجاح هذا المشروع يرتبط بمدى إلتزام السودانيين بمبادئ وحدة الدولة وسيادة القانون، وبقدرة القوى الوطنية على تجاوز الخلافات التي تعيق بناء المؤسسات، والتفريق بين الخلافات السياسية بوصفها متغيرات، ومعاداة الدولة بوصفها مؤسسات باقية، وينبغي أن تنطلق عملية الإصلاح من إنهاء الحرب والتمرد، ومعالجة الوجود المسلح غير النظامي، والعمل على تحقيق سلام مستدام، ثم وضع إطار دستوري وقانوني واضح للقطاع الأمني والعسكري، يتضمن توحيد القيادة، ومراجعة هياكل القوات، وإعتماد معايير شفافة للتجنيد والترقية، وضمان خضوع الإنفاق العسكري للرقابة المؤسسية، وهذه قضايا حساسة جدًا تتطلب خبرات العسكريين والمختصين، إلى جانب رقابة المؤسسات الدستورية والمدنية المختصة؛ كما يجب وضع برنامج عملي وفعال لدمج المؤهلين من أفراد التشكيلات المسلحة، وفق تقييم مهني وفني ينفذه المختصون، وتسريح الآخرين وإعادة إدماجهم إقتصاديًا وإجتماعيًا، مع توفير فرص حقيقية للعيش الكريم، ومنع إعادة إنتاج المليشيات تحت مسميات جديدة وفي أيّ ظروف مختلفة، ولا يمكن فصل هذا المشروع عن مسألة إصلاح القضاء والشرطة والخدمة المدنية، وتعزيز إستقلال المؤسسات، وضمان المساواة أمام القانون، ومعالجة المظالم التاريخية التي أسهمت في تأجيج النزاعات عبر التاريخ؛ كذلك تظل المشاركة السياسية السلمية، والمصالحة الوطنية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات عادلة، عناصر ضرورية لإستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع؛ فالسودان الذي ينشده مواطنوه ليس دولة يسود فيها منطق «القوي يأكل الضعيف»، بل دولة يحمي فيها الجيش الحدود والدستور وكرامة الشعب، وتصون فيها المؤسسات الحقوق والحريات، ويحتكم فيها الجميع إلى القانون، ويناضل فيها الرجال والنساء معًا من أجل تنميتها ونهضتها، ومن ثم، ينبغي أن يكون توحيد المؤسسة العسكرية السودانية جزءًا من عقد وطني جديد يؤسس لسلام عادل وشامل، وديمقراطية تعددية، وسيادة كاملة، ويحوّل تضحيات السودانيين إلى فرصة تاريخية لبناء دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية دون تمييز.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام