يعكس مشروع قانون المرور الجديد تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الدولة لمسألة الأمن المروري، من خلال الانتقال من معالجة جزئية لحوادث المرور إلى رؤية شاملة تعتبر السلامة على الطريق مسؤولية جماعية ومنظومة متكاملة، تمسّ السائق والمركبة والطريق والمؤسسات المشرفة في آن واحد، في ظل تصاعد المخاطر المرورية والتغيرات المتسارعة التي تهدّد الأرواح والممتلكات.
وينطلق المشروع من اعتبار السلامة المرورية أولوية وطنية، حيث يمنح أهمية بالغة لسلامة المركبة وجودة الطريق، ويقرّ مبدأ تحميل المسؤولية الجزائية والمدنية لكل طرف يخلّ بقواعد حركة المرور، بما في ذلك المتدخّلون في إنجاز الطرق وصيانتها، في حال عدم مطابقة الأشغال للمعايير التقنية أو التقصير في تنفيذها، مع إلزامهم بالتعويض عن الأضرار المادية التي تلحق بالطريق وتجهيزاته.
ويأتي النص القانوني في بنية متكاملة تتكوّن من 10 فصول و190 مادة، ما يعكس توجهاً نحو إحكام التنظيم القانوني لحركة المرور، وتحديث الترسانة التشريعية بما يسمح بمواجهة التحديات الجديدة التي فرضتها التحولات التكنولوجية والاجتماعية، وانتشار السلوكيات الخطيرة، وتعقّد أنماط التنقل والنقل.
ويركز المشروع بشكل واضح على الوقاية باعتبارها الركيزة الأساسية للحدّ من حوادث المرور، من خلال معالجة الأسباب المرتبطة بالسائق، والمركبة، ومحيط الطريق، بدل الاكتفاء بالمعالجة العقابية اللاحقة، وهو ما يعكس وعياً بأن الأمن المروري يبدأ من التخطيط المسبق، وجودة البنية التحتية، وفعالية الرقابة، وكفاءة التكوين.
وفي هذا الإطار، يوسّع النص دائرة المسؤولية لتشمل جميع الأطراف المتسبّبة في الحوادث، بما في ذلك حالات التلاعب في محاضر المراقبة التقنية، أو منح رخص السياقة بطرق غير قانونية، أو التقصير في صيانة الطرق، كما يجرّم صراحة تسليم محاضر مطابقة تقنية تتضمّن معطيات غير صحيحة أو تتجاهل عيوبًا مثبتة في المركبات، في خطوة تهدف إلى تجفيف منابع الغش وضمان مصداقية منظومة المراقبة.
كما يعزّز المشروع متطلبات الحصول على رخصة السياقة، من خلال فرض التكوين الإلزامي والفحوصات الطبية والدورية، ومكافحة تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، بما يضمن جاهزية السائقين وقدرتهم الفعلية على القيادة الآمنة، ويحدّ من السلوكيات الخطيرة التي تشكّل أحد أبرز أسباب الحوادث المميتة.
ويولي النص اهتمامًا خاصًا بالسياقة المهنية، عبر تنظيم نقل الأشخاص والبضائع والمواد الخطرة، وفرض شهادات الكفاءة المهنية، واحترام أوقات السياقة والراحة، والاستعانة بأجهزة المراقبة الحديثة، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعزّز سلامة هذا النوع من النقل الذي يشكل جزءًا حيويًا من الدورة الاقتصادية.
وفي جانب الرقابة، يكرّس المشروع توظيف التكنولوجيا الحديثة من خلال اعتماد الدفع الإلكتروني للغرامات، واستخدام أجهزة كشف المخدرات، ومحطات الوزن الثابتة والمتنقّلة، وإنشاء أنظمة معلومات وطنية لرصد الحوادث والنقاط السوداء، بما يسمح بتدخّل استباقي مبني على المعطيات الدقيقة والتحليل العلمي.
ولا يغفل النص جانب مكافحة الغش، حيث يشدّد العقوبات على استيراد وصناعة وتسويق قطع الغيار غير المطابقة، خاصة عندما تكون سببًا مباشرًا في وقوع الحوادث، في مسعى لحماية مستعملي الطريق وضمان سلامة المركبات المتداولة.
ويُبرز المشروع، في مجمله، تصورًا متوازنًا يجمع بين الوقاية والرّدع والتنظيم، ويؤسس لثقافة مرورية جديدة تقوم على احترام القانون وتقدير قيمة الحياة، مؤكّداً أن التنقل الآمن حق أساسي للمواطن، والتزام ثابت من الدولة، ومسؤولية مشتركة بين جميع الفاعلين في الفضاء المروري.




