أكد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، في حوار تليفزيوني مع صحفي بقناة” فرانس 24 الدولية”، أن واشنطن لا ترى في الوقت الراهن حلاً نهائياً قريباً لنزاع الصحراء الغربية، مشيراً إلى أن جولات المفاوضات الأخيرة كانت “بناءة ومثمرة”، لكنها لم تفض إلى اتفاق نهائي، مؤكداً استمرار الاتصالات خلال المرحلة المقبلة.
وتعيد هذه التصريحات طرح مستقبل النزاع على طاولة النقاش، في ظل استمرار الخلاف وعدم التوصل إلى تسوية نهائية.
وفي هذا السياق، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالدكتور حسام البقيعي، المختص في الدراسات الدولية والنزاعات الإقليمية، مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز رع للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، لقراءة أبعاد القضية ومسارها التاريخي والقانوني، في ظل التحولات التي شهدتها مواقف القوى الدولية خلال السنوات الأخيرة.
أقدم نزاع في القارة الافريقية
وأكد الدكتور البقيعي أن قضية الصحراء الغربية تُعد من أقدم النزاعات في القارة الأفريقية، مشيراً إلى أن المنطقة خضعت للاستعمار الإسباني بين 1884 و1975، قبل أن تدرجها الأمم المتحدة عام 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي تحت اسم “الصحراء الإسبانية”.
وأوضح المختص في الدراسات الدولية، أن المرجعية القانونية للقضية تستند أيضاً إلى رأي محكمة العدل الدولية الصادر عام 1975، والذي نفى وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء من جهة، والمغرب أو موريتانيا من جهة أخرى، مع تأكيد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وأشار الدكتور حسام البقيعي إلى أن هذا الرأي شكل محطة أساسية في مسار النزاع، قبل أن ينظم المغرب ما عُرف بـ”المسيرة الخضراء”، لتوقّع إسبانيا في نوفمبر 1975 اتفاق مدريد، ثم تنسحب من الإقليم في فبراير 1976، لتعلن جبهة البوليساريو قيام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وتندلع الحرب بينها وبين المغرب وموريتانيا.
وأضاف الدكتور البقيعي أن انسحاب موريتانيا من النزاع عام 1979 وسيطرة المغرب على معظم أراضي الإقليم، أعقبه التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار سنة 1991، وإنشاء بعثة الأمم المتحدة “مينورسو” لتنظيم استفتاء تقرير المصير، غير أن العملية توقفت بسبب الخلاف حول قوائم الناخبين، لتتحول مهمة البعثة إلى مراقبة وقف إطلاق النار.
تحولات دراماتيكية للقضية
وفي قراءته للتحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، لفت حسام البقيعي إلى أن المغرب عمل على جذب مواقف دولية داعمة لموقفه بشأن الصحراء الغربية، مشيراً إلى أن التحول الأبرز جاء في ديسمبر 2020، عندما اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الإقليم، في سياق اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وأوضح الدكتور حسام البقيعي أن هذه الخطوة فتحت الباب أمام تحولات في مواقف دول أوروبية، من بينها ألمانيا وإسبانيا وبريطانيا، باتجاه دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي المقابل، أشار الدكتور البقيعي إلى أن جبهة البوليساريو استأنفت القتال في نوفمبر 2020، على خلفية ما اعتبرته اختراقاً لوقف إطلاق النار في منطقة الكركرات، بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، خاصة بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أوت 2021.
تجديد مهمة ” مينورسو”
نوّه المختص في الدراسات الدولية حسام البقيعي، في حديثه إلى المسار الأممي، مشيراً إلى أن تقرير المبعوث الأممي إلى الصحراء الغربية ستيفان دي ميستورا في سبتمبر 2025 أشار إلى غياب التقدم نحو حل سياسي للنزاع، ودعا إلى مواصلة المسار السياسي وتجديد مهمة “مينورسو”.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حسام البقيعي أن مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن شهد تعديلات بعد تحفظات عدد من الأعضاء، من بينهم الجزائر، على ما اعتبروه انحيازاً للموقف المغربي، خصوصاً بشأن مبادرة الحكم الذاتي وعدم الإشارة إلى مقترح البوليساريو.
وأضاف الدكتور البقيعي أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 جدد ولاية “مينورسو” حتى 31 أكتوبر 2026، وأكد التزام المجلس بمساعدة الأطراف على التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول، قائم على التوافق ومتسق مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.
تأثير التيار الواقعي على قرارات ترامب
كما أكد الدكتور حسام البقيعي أن الظروف الدولية والإقليمية التي صدر فيها قرار مجلس الأمن في أكتوبر الماضي، إلى جانب حسابات مختلف الأطراف، يعتقد أنها اختلفت الآن، لافتاً إلى نمو تيار الواقعية السياسية في إدارة الرئيس دونالد ترامب.
واستدل في هذا السياق بتصريحات توم باراك بشأن ضرورة التشاور مع إيران وحزب الله فيما يخص الملف اللبناني، إلى جانب تصريحات مسعد بولس بشأن ضرورة موافقة البوليساريو لتنفيذ قرار مجلس الأمن.
ويرى الدكتور البقيعي أن هذه التحولات تعكس تغيراً في طريقة التعاطي مع الملفات الإقليمية، بما قد يفتح المجال أمام مقاربات جديدة في إدارة النزاعات وتسوياتها.
ويرى حسام البقيعي أن التحولات في المواقف الدولية لا يمكن فصلها عن المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى، موضحاً أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء جاء في سياق اتفاقيات أبراهام، في إشارة الى تغير المواقف بحسب السياق الدولي.
القضية تنتظر القرار النهائي
وفي المقابل، يقول الدكتور البقيعي بقيت القضية مرتبطة بمسار تفاوضي لم يفض، رغم الجولات الأخيرة، إلى اتفاق نهائي.
وبشأن موقف البوليساريو، أوضح الدكتور حسام البقيعي أنها رحبت بتمديد ولاية “مينورسو”، لكنها رفضت أن تكون طرفاً في أي عملية سياسية تقوم على مقترحات تعتبرها إضفاءً للشرعية على السيادة المغربية، مؤكداً أن الجبهة لا تزال تستند إلى رأي محكمة العدل الدولية لعام 1975 وإلى مرجعية تصفية الاستعمار.
وخلص المختص في الدراسات الدولية حسام البقيعي إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد استمرار الخلاف حول طبيعة الحل السياسي ومضمونه، في وقت تؤكد فيه واشنطن أن الجولات الأخيرة كانت بناءة ومثمرة، لكنها لم تفض إلى اتفاق نهائي، ولا تزال المفاوضات مفتوحة.
مهدي الباز




