الأولى الاقتصادي الوطني

ألمانيا تعزز أمنها الغازي بـ1.5 مليار دولار.. والجزائر تستعد لزيادة صادراتها نحو برلين مطلع 2027

دخلت ألمانيا مرحلة جديدة من تأمين إمداداتها الطاقوية بعقود طويلة الأجل وضمانات مالية حكومية، بعدما بدأ في الأول من نوفمبر 2026 تنفيذ اتفاق لتوريد نحو 3 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا على مدى خمس سنوات، مدعوم بتسهيل ائتماني قيمته 1.5 مليار دولار. ويأتي هذا التحرك قبل شهرين من دخول زيادة جديدة في إمدادات الغاز الجزائري إلى السوق الألمانية حيز التنفيذ، بموجب الاتفاق المبرم بين سوناطراك ومجموعة «VNG»، في تطور يعكس اتساع موقع الجزائر ضمن استراتيجية برلين لتنويع مصادر الطاقة وتقليص تعرضها لاضطرابات الأسواق الدولية.

وتبرز أهمية هذه التطورات في توقيتها، إذ تتحرك ألمانيا لتأمين احتياجاتها المستقبلية في سوق أوروبية تواجه ارتفاعًا حادًا في الأسعار وتراجعًا في مستويات التخزين، بالتزامن مع اضطرابات الإمدادات العالمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة «ترافيغورا» العالمية لتجارة السلع وشركة «سيفي» الألمانية، المملوكة للحكومة الاتحادية، عن اتفاق جديد لتوريد 30 تيراواط/ساعة من الغاز سنويًا، بإجمالي 150 تيراواط/ساعة خلال خمس سنوات، وهو ما يعادل نحو 15 مليار متر مكعب وفق التقديرات الواردة في بيانات قطاع الطاقة.

ويحل العقد الجديد محل اتفاق سابق كان يوفر نحو 23 تيراواط/ساعة سنويًا، وانتهى العمل به في أكتوبر 2026، ما يعني رفع حجم الإمدادات المتعاقد عليها بنحو 30.4%، في خطوة تمنح الشركة الألمانية قدرة أكبر على تلبية احتياجات عملائها خلال السنوات المقبلة.

غير أن الجانب الأكثر دلالة في هذه الصفقة لا يرتبط بالكميات وحدها، بل بطريقة تمويلها، بعدما حصلت «ترافيغورا» على قرض بقيمة 1.5 مليار دولار لمدة خمس سنوات من تحالف مصرفي يضم تسعة بنوك، بدعم جزئي من ضمانات الحكومة الألمانية ضمن برنامج القروض غير المرتبطة «UFK».

وتولى بنك «KfW IPEX-Bank» مهام تنسيق التسهيل الائتماني وإدارته، في نموذج يعكس انتقال تأمين إمدادات الغاز من الاعتماد على التعاقدات التجارية التقليدية إلى ترتيبات مالية تشارك فيها مؤسسات مصرفية وجهات حكومية لتقليص مخاطر التموين طويل الأجل.

ولا تمثل قيمة 1.5 مليار دولار السعر الإجمالي للغاز المتعاقد عليه، وإنما حجم التمويل المخصص لدعم تنفيذ الاتفاق، وهو تمييز أساسي لفهم طبيعة الصفقة وآليات تمويل واردات الطاقة الألمانية.

وتكشف هذه الهيكلة عن الأهمية التي توليها برلين لاستقرار الإمدادات، حتى عندما يتطلب الأمر تعبئة ضمانات عامة لتسهيل حصول الشركات على التمويل اللازم لتأمين مشترياتها الاستراتيجية.

وأوضح جيمس مورفي أوكونور، المسؤول عن تمويل وكالات ائتمان الصادرات لدى «ترافيغورا»، أن العملية تؤكد دور التمويل المدعوم بالضمانات في تأمين إمدادات السلع الأساسية على المدى الطويل، فيما ربط المدير التجاري لشركة «سيفي»، فريديريك بارنو، الاتفاق بتوسيع محفظة مصادر الغاز وتعزيز القدرة على خدمة العملاء في ألمانيا والأسواق الأوروبية.

وتستند الإمدادات المنصوص عليها في الاتفاق إلى محفظة «ترافيغورا» العالمية، دون تحديد البلدان التي سيأتي منها الغاز، ما يعني أن هذه الكميات لا يمكن نسبتها إلى الجزائر أو اعتبارها جزءًا من صادرات سوناطراك نحو ألمانيا.

وفي المقابل، تمتلك الجزائر مسارًا تجاريًا مستقلًا ومؤكدًا لتعزيز حضورها في السوق الألمانية، بعد توقيع سوناطراك ومجموعة «VNG» عقدًا جديدًا يوم 16 جويلية 2026، يقضي بزيادة كميات الغاز الطبيعي المسلمة إلى ألمانيا ابتداءً من الأول من جانفي 2027.

ويمثل هذا الاتفاق امتدادًا لعلاقة تجارية بدأت سنة 2024، عندما شرعت المجموعة الألمانية في شراء الغاز الجزائري، قبل أن تتطور الشراكة إلى التزامات جديدة تستهدف توسيع الإمدادات وتعزيز استقرار التموين.

ولم تكشف سوناطراك أو «VNG» عن حجم الزيادة المتفق عليها أو الأسعار أو المدة التعاقدية، وهو ما يجعل من غير الممكن تحديد الكميات الإضافية التي ستدخل السوق الألمانية ابتداءً من جانفي، أو احتساب قيمتها التجارية بصورة موثوقة.

لكن أهمية العقد تتجاوز الأرقام غير المعلنة، بالنظر إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من إطلاق أولى عمليات التوريد إلى توسيعها، بما يعزز موقع الغاز الجزائري داخل محفظة مشتريات إحدى المجموعات الألمانية العاملة في قطاع الطاقة.

وقد أكد الرئيس التنفيذي لمجموعة «VNG»، أولف هايتمولر، عند الإعلان عن الاتفاق، أن التعاون مع سوناطراك يمثل عنصرًا مهمًا في تأمين احتياجات العملاء على المدى الطويل وتنويع مصادر الإمداد، في بيئة تتأثر باستمرار بالتطورات الجيوسياسية والتنظيمية.

كما وصف كاتب الدولة الألماني لدى وزارة الاقتصاد والطاقة، فرانك فيتسل، الجزائر بأنها شريك موثوق لألمانيا، مشيرًا إلى مكانتها كثاني أكبر مورد للاتحاد الأوروبي بالغاز المنقول عبر الأنابيب، ومعتبرًا أن الاتفاق الجديد يسهم في تنويع الواردات وتعزيز أمن الطاقة الألماني.

وتأتي هذه التصريحات في مرحلة تشهد فيها السوق الأوروبية ضغوطًا متجددة، بعدما بلغ السعر المرجعي للغاز الطبيعي الأوروبي للتسليم في الشهر التالي 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة يوم 28 أكتوبر 2026، للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، وفق ما نقلته رويترز.

ويرتبط هذا الارتفاع باضطراب تدفقات الغاز الطبيعي المسال في ظل الصراع بالشرق الأوسط، إلى جانب تراجع مستويات المخزون الأوروبي مقارنة بما تتطلبه الاستعدادات المعتادة لفصل الشتاء.

وبحسب بيانات نقلتها مؤسسة «إنرداتا» عن وكالة تعاون منظمي الطاقة في الاتحاد الأوروبي «ACER»، بلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز الأوروبية 75% يوم 21 أكتوبر، بعد موسم اتسم بارتفاع تكاليف التعبئة وبطء وتيرتها.

كما أشارت التقديرات إلى احتمال دخول الاتحاد الأوروبي فصل الشتاء بمستويات تخزين أدنى من متوسط السنوات التسع السابقة، رغم استمرار الطلب على الغاز عند مستوى يقل بنحو 20% عن مستويات أزمة الطاقة سنة 2022.

وتوضح هذه المعطيات أن تراجع الاستهلاك الأوروبي لا يلغي الحاجة إلى تأمين مصادر توريد إضافية، خصوصًا عندما تتزامن المخزونات المنخفضة مع تقلبات الأسعار ومخاطر انقطاع الإمدادات الخارجية.

ومن هذا المنطلق، تتجه الشركات الألمانية إلى الجمع بين التعاقد مع كبار تجار الطاقة، القادرين على توفير الغاز من محافظ توريد عالمية، وإبرام اتفاقات مباشرة مع الدول المنتجة، بما يقلل الاعتماد على مصدر واحد أو آلية شراء واحدة.

وتندرج العلاقة مع سوناطراك ضمن المسار الثاني، الذي يمنح ألمانيا إمكانية تنويع مورديها من خلال منتج يمتلك قاعدة واسعة من الموارد الغازية وبنية تحتية للتصدير نحو الأسواق الأوروبية.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن توسيع التوريد إلى ألمانيا يوفر فرصة لتعزيز حضورها التجاري في واحدة من أكبر الأسواق الصناعية الأوروبية، ويدعم توجهها نحو تطوير علاقات مباشرة ومستقرة مع شركات الطاقة والمرافق الكبرى.

ولا تقتصر أهمية الشراكة الجزائرية الألمانية على مبيعات الغاز الطبيعي، إذ شهدت العلاقات بين سوناطراك و«VNG» تطورًا إضافيًا يوم 17 جوان 2026، بتوقيع مذكرة تفاهم لبحث فرص التعاون في الهيدروجين الأخضر والأمونيا وخفض انبعاثات الميثان.

وتستكمل هذه المذكرة مسارًا انطلق بموجب بروتوكول تعاون في ديسمبر 2022، ما يعكس اهتمام الطرفين ببناء علاقة تتجاوز توريد المحروقات التقليدية إلى مجالات مرتبطة بتحولات منظومة الطاقة الأوروبية ومتطلباتها البيئية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية اقتصادية بالنسبة إلى الجزائر، التي تسعى إلى تثمين مواردها الطاقوية وتطوير مشاريع جديدة في الهيدروجين ومشتقاته، مع الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية.

غير أن الانتقال من مذكرات التفاهم إلى استثمارات فعلية في هذه المجالات يظل مرهونًا بإنجاز الدراسات التقنية والاقتصادية، وتحديد نماذج التمويل، وتأمين اتفاقات شراء طويلة الأجل، فضلًا عن استيفاء المتطلبات التنظيمية والبيئية.

وبذلك، تتشكل العلاقة الطاقوية بين الجزائر وألمانيا على مستويين متكاملين؛ الأول تجاري مباشر، يقوم على زيادة إمدادات الغاز الطبيعي اعتبارًا من جانفي 2027، والثاني استراتيجي يستهدف استكشاف فرص التعاون في الهيدروجين والأمونيا والتقنيات المرتبطة بخفض الانبعاثات.

وفي الوقت نفسه، يكشف اتفاق «ترافيغورا» و«سيفي» عن البيئة التجارية التي ستعمل ضمنها الإمدادات الجزائرية الإضافية، حيث أصبحت المنافسة في سوق الغاز الألمانية مرتبطة ليس فقط بالسعر والكميات، وإنما أيضًا بموثوقية التسليم، وطول مدة العقود، وقدرة الموردين على توفير التمويل والمرونة التشغيلية.

وتعني هذه التحولات أن توسيع صادرات الغاز الجزائري نحو ألمانيا لا يمكن تقييمه بمعزل عن استراتيجية برلين الشاملة لتنويع الموردين، ولا عن المنافسة بين الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال الذي يصل من الأسواق الدولية.

ومع اقتراب الأول من جانفي 2027، تتجه الأنظار إلى بدء تنفيذ الزيادة المتفق عليها بين سوناطراك و«VNG»، باعتبارها المحطة التجارية المقبلة في العلاقات الغازية بين البلدين.

وبينما بدأت ألمانيا بالفعل تنفيذ عقد يمتد خمس سنوات لتأمين نحو 15 مليار متر مكعب من الغاز عبر «ترافيغورا»، تستعد الجزائر لتعزيز إمداداتها بموجب اتفاق منفصل مع «VNG»، في سوق تتزايد فيها أهمية العقود طويلة الأجل والضمانات التمويلية.

وهكذا، لا تكمن دلالة التطورات الأخيرة في مجرد توقيع.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام