دعا رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في كلمة له، ألقاها الوزير الأول سيفي غريب، نيابة عنه، خلال القمة الافتراضية للجنة الخماسية رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي حول جنوب السودان، المنعقدة الثلاثاء، برئاسة رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، إلى تعزيز الحوار السياسي وتكثيف الجهود الإفريقية والدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في جمهورية جنوب السودان، مؤكدًا استعداد الجزائر لتقديم الدعم اللوجستي والتقني اللازم لمرافقة السلطات والهيئات الانتخابية في هذا البلد.
وفي ظل استمرار الأزمة السياسية والأمنية واقتراب الاستحقاق الرئاسي في جنوب السودان، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالأكاديمية المصرية مايسة خليل، المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، لقراءة مضامين كلمة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وأبعاد الرؤية الجزائرية للتعامل مع الأزمة ومسارات الخروج منها.
الكلمة جاءت في لحظة دقيقة
أكدت، الأكاديمية المصرية مايسة خليل، المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، المديرة التنفيذية لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مداخلتها لـ”شرشال نيوز”، أن كلمة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أمام القمة الافتراضية للجنة الخماسية رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي حول جنوب السودان، جاءت في لحظة دقيقة تمر بها الدولة الجنوب سودانية، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الذي لم يتبقَّ عليه سوى ثلاثة أشهر، وحملت رؤية جزائرية متكاملة للأزمة في جنوب السودان.
وأوضحت، الأكاديمية مايسة خليل،أن الكلمة انطلقت من تأكيد مركزي مفاده أن الاتفاق المنشط لتسوية النزاع في جنوب السودان يظل الإطار السياسي الشرعي والقادر على تجاوز الأزمة الراهنة، وأن الشعب الجنوب سوداني هو وحده صاحب القرار في تحديد مستقبله.
وأشارت المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، إلى أن هذا التأكيد يعكس مبدأً راسخًا في السياسة الخارجية الجزائرية، يقوم على أن الحلول يجب أن تنبع من داخل الأطراف المعنية، لا من خارجها، معتبرة أن الجزائر، بحكم تاريخها الثوري وموقعها الجغرافي ودورها في حركات التحرر الإفريقي، تتبنى هذا المبدأ كعقيدة سياسية.
وأضافت، أن التأكيد على أن التزام الجزائر تجاه جنوب السودان ليس وليد اللحظة، بل هو التزام مبدئي وراسخ تجسد عمليًا في مواطن عديدة، يرد على من قد يشكك في مصداقية الدور الجزائري أو يعتبره تدخلًا ظرفيًا.
كما أكدت، الأكاديمية مايسة خليل أن الجزائر، التي لعبت دورًا محوريًا في الوساطة في أزمات إفريقية متعددة، من أزمة مالي إلى أزمة ليبيا وأزمة السودان، تستند إلى تاريخ طويل من العمل الدبلوماسي في القارة، وإلى رصيد من الثقة اكتسبته عبر عقود من الالتزام بالمبادئ الإفريقية.
وفي هذا السياق، ذكرت الأكاديمية المصرية مايسة خليل، أن الرئيس تبون، حرص في كلمته على التأكيد أن نجاح جنوب السودان في استتباب الأمن هو نجاح لإفريقيا بأسرها، وأن المسؤولية الجماعية تقتضي من الجميع الوقوف صفًا واحدًا إلى جانب الأشقاء في هذا الظرف الدقيق.
وأضافت، أن هذا الطرح يعكس رؤية جزائرية تقوم على أن الأمن الإفريقي كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي أزمة في أي دولة إفريقية هي أزمة للقارة بأكملها، وهي رؤية تستند إلى فكرة الأمن الجماعي الإفريقي التي تتبناها الجزائر في المحافل القارية والدولية.
خارطة طريق جزائرية للخروج من الأزمة
وتوقفت المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية مايسة خليل، عند خمس دعوات محددة تضمنتها الكلمة، معتبرة أنها تمثل خارطة طريق جزائرية للتعامل مع الأزمة.
وتتمثل الدعوة الأولى في حث جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق المنشط على الانخراط الفاعل والإيجابي في حوار سياسي شامل وبناء، تغلب فيه المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الظرفية.
وأوضحت، أن هذه الدعوة تعكس إدراكًا بأن الأزمة في جنوب السودان، ليست أزمة أمنية فحسب، بل هي أزمة سياسية في جوهرها، تتطلب حلولًا سياسية لا عسكرية، مشيرة إلى أن الدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا تشير إلى ضرورة تجاوز الحسابات الفئوية والظرفية التي تعرقل التسوية.
وفي هذا السياق، أشارت الأكاديمية المصرية، إلى تثمين الرئيس تبون للمبادرة التي تقدمت بها جمهورية جنوب إفريقيا بصفتها رئيسًا لمجموعة C5 لاستضافة حوار سياسي بين الأطراف الموقعة على الاتفاق المنشط، معتبرًا إياها خطوة بالغة الأهمية.
وتتعلق الدعوة الثانية، بانخراط جميع الأطراف في مسارات التهدئة وإيقاف جميع الأعمال العدائية في أنحاء البلاد، ومعالجة التحديات الأمنية وتوحيد القوات.
وفي هذا الصدد، قالت: “إن هذا النداء يعكس قلقًا من استمرار العنف ومخاطر انزلاق البلاد إلى حرب أهلية شاملة”. مشيرة إلى أن توحيد القوات تحت قيادة واحدة يمثل خطوة ضرورية لبناء دولة قادرة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها.
وأضافت، أن الدعوة الثالثة تتعلق بالسلطات الانتقالية، من خلال الإسراع في توفير التمويل الوطني الضروري للمؤسسات الانتخابية، ونشر خارطة طريق انتخابية واقعية وتوافقية تطمئن كافة الفاعلين السياسيين والشعب الجنوب سوداني على حد سواء.
وأوضحت، الأكاديمية مايسة خليل أن هذه الدعوة تكشف عن مشكلة عملية تتعلق بتمويل العملية الانتخابية، في ظل عدم كفاية التمويل الوطني وعدم ضمان التمويل الخارجي، مؤكدة أن خارطة الطريق الانتخابية يجب أن تكون واقعية وتوافقية وألا تفرض على أي طرف.
وقالت، الأكاديمية المصرية مايسة،” إن الدعوة الرابعة تتمثل في حث الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين على التحلي بالمسؤولية والوفاء بتعهداتهم وتقديم مساهمات ملموسة لسد العجز المالي في العملية الانتخابية قبل حلول أكتوبر المقبل، وفق ما دعا إليه مجلس السلم والأمن في بيانه الأخير.”
وأشارت، المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، إلى أن هذا النداء يسلط الضوء على العجز المالي في تمويل العملية الانتخابية، والذي قد يؤخر الانتخابات أو يعرقلها، مؤكدة أن الجزائر تضع بذلك نقطة حساسة تتمثل في ضرورة توفير التمويل اللازم لتنظيم انتخابات نزيهة.
وأوضحت،الأكاديمية مايسة خليل، فيما يخص الدعوة الخامسة، قائلة: “فوجهت إلى المجتمع الدولي لتكثيف الدعم الإنساني العاجل للسكان المتضررين، وضمان وصول آمن ودون عوائق للمساعدات، وهو ما يعكس إدراكًا بأن الأزمة الإنسانية في جنوب السودان لا تحتمل التأجيل، وأن أي تأخير في تقديم المساعدات يعني مزيدًا من المعاناة للشعب الجنوب سوداني”.
وأكدت، الأكاديمية المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية أن الكلمة شددت على أن الوضع على أرض الواقع لا يزال يبعث على القلق على المستويات السياسية والأمنية والإنسانية، مشيرة إلى أن حالة الجمود السياسي بين الموقعين على اتفاق السلام المنشط تؤثر بشكل بالغ على العملية الانتقالية برمتها وعلى مستقبل الاتفاق نفسه.
وأضافت، قائلة: “إن غياب الموارد والتوافق السياسي والسلام الدائم يبقي خطورة الوضع قائمة، مؤكدة أن الأمن لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، بل بالتنمية والموارد والتوافق السياسي.”
الجزائر تملك خبرة في معالجة الأزمات
وأشارت، في مداخلتها إلى أن الجزائر، التي عانت من أزمات أمنية في التسعينيات، تدرك أن معالجة الأسباب الجذرية للأزمات هي الطريق الوحيد لاستقرار دائم.
وأكدت أن كلمة الرئيس تبون تعكس رغبة جزائرية واضحة في إعادة تموضعها كفاعل رئيسي في القارة الإفريقية، بعد سنوات من التركيز على الملفات الإقليمية المباشرة مثل ليبيا ومالي ومنطقة الساحل.
وأوضحت، أن الجزائر تدرك أن القارة تشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى، وأن الدول التي تريد أن يكون لها صوت مسموع في هذه الترتيبات يجب أن تكون حاضرة وفاعلة.
وأضافت، الأكاديمية المصرية، قائلة: “إن جنوب السودان، بموقعه في قلب القرن الإفريقي وبموارده النفطية وبأزماته المزمنة، يمثل ساحة مهمة لإعادة إثبات الحضور الجزائري”.
كما اعتبرت أن هذا الحضور لا يقوم على السعي إلى الهيمنة، بل على تحقيق الاستقرار، لأن أي فراغ أمني في أي دولة إفريقية سيملأ بقوى لا تخدم مصالح شعوب القارة.
الجزائر تطرح نموذجًا فعالًا لحل الأزمات
وفي ظل تنافس القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا، أشارت الأكاديمية المصرية مايسة خليل، إلى أن الجزائر تقدم نموذجًا يقوم على ثلاثة مبادئ، هي الحلول الإفريقية للأزمات الإفريقية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم المؤسسات الوطنية.
وأوضحت أن هذا النموذج قد يكون جاذبًا للدول الإفريقية التي تخشى التدخل الخارجي أو عانت من تدخلات خارجية لم تحل أزماتها، بل زادتها تعقيدًا.
وفي سياق متصل، أشارت الأكاديمية إلى أن التعاون بين الجزائر وجنوب إفريقيا في ملف جنوب السودان قد يكون بداية لمحور إفريقي جديد يضم دولًا ذات ثقل قاري وتتعاون في ملفات السلام والأمن.
وفي هذا الشأن، أوضحت قائلة: “إنه رغم اختلاف التجارب التاريخية والأنظمة السياسية بين البلدين، فإنهما تشتركان في رؤية تقوم على أن إفريقيا يجب أن تحل مشاكلها بنفسها، وأن الاتحاد الإفريقي يجب أن يكون فاعلًا لا متفرجًا.”
دعم الجزائر للمسار الانتخابي
وتوقفت الأكاديمية المصرية، عند مسألة تمويل العملية الانتخابية، مؤكدة أن الجزائر تدعو الدول الإفريقية والشركاء الدوليين إلى الوفاء بتعهداتهم قبل حلول أكتوبر المقبل، إلى جانب حث السلطات الانتقالية على توفير التمويل الوطني.
وأضافت قائلة: “إن الجزائر لا تكتفي بالإشارة إلى المشكلة، بل تحث السلطات الانتقالية على توفير التمويل الوطني، والشركاء الدوليين على الوفاء بتعهداتهم، في محاولة لسد الفجوة بين الاحتياجات والموارد.”
وإلى جانب البعد السياسي، أكدت الأكاديمية مايسة خليل أن كلمة الرئيس تبون أولت اهتمامًا واضحًا للبعد الإنساني، من خلال الدعوة إلى تكثيف الدعم الإنساني العاجل للسكان المتضررين وضمان وصول آمن ودون عوائق للمساعدات.
وأوضحت، أن هذا الاهتمام يعكس رؤية جزائرية تقوم على أن الأمن لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، بل بمعالجة الأسباب الجذرية للأزمات، ومن بينها المعاناة الإنسانية، مشيرة إلى أن هذا البعد يمثل جزءًا أساسيًا من الرؤية الجزائرية للأمن.
كما نوّهت المختصة في العلاقات الدولية، إلى أن اختيار توقيت الكلمة، قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية في جنوب السودان، يحمل دلالة مهمة، معتبرة أن الجزائر تريد أن تكون طرفًا فاعلًا في اللحظة الحاسمة، لا متفرجًا، مشيرة إلى أن هذا التوقيت يعكس رغبة في دعم مسار الأزمة قبل اتخاذ قراراتها النهائية، ودعم الأطراف المعتدلة التي تسعى إلى تسوية سلمية، وتحذير الأطراف المتشددة من تبعات استمرار التعنت.
وتطرقت إلى تعازي الجزائر لحكومة وشعب إثيوبيا إثر الكمين الغادر الذي استهدف عناصر من قوات حفظ السلام الأممية، معتبرة أن التعزية تحمل دلالتين، تتمثل الأولى في تضامن الجزائر مع إثيوبيا، والثانية في تأكيد رفض الإرهاب بكل أشكاله ودعم قوات حفظ السلام الأممية.
وأكدت أن هذا الموقف يعكس التزام الجزائر بمبادئ القانون الدولي وضرورة حماية قوات حفظ السلام التي تؤدي مهامها في ظروف خطرة.
كلمة الرئيس تبون.. رؤية جزائرية لدور إفريقيا في النظام الدولي
وخلصت الأكاديمية المصرية مايسة خليل، إلى أن كلمة الرئيس تبون تحمل دلالة أعمق من مجرد موقف جزائري من أزمة جنوب السودان، باعتبارها تعبيرًا عن رؤية جزائرية لدور إفريقيا في نظام دولي متحول.
وأوضحت، أن الجزائر تدرك أن القارة الإفريقية أصبحت ساحة تنافس بين قوى متعددة، وأن هذا التنافس قد يكون فرصة أو خطرًا، فالفرصة تكمن في أن تعدد الشركاء يمنح الدول الإفريقية قدرًا من المناورة ويحميها من التبعية لطرف واحد، بينما يكمن الخطر في تحول هذا التنافس إلى ساحة لتصفية حسابات خارجية وتقويض استقرار القارة.
كما أكدت أن الجزائر، من خلال هذه الكلمة، تحاول تقديم نموذج ثالث يقوم على عدم التبعية للشرق أو الغرب، بل على حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية، ومبدأ عدم التدخل، ودعم المؤسسات الوطنية.
وأضافت قائلة: “إن هذا النموذج يمثل ترجمة عملية لالتزام الجزائر التاريخي بالقضايا الإفريقية، ولرؤيتها التي تؤمن بأن القارة قادرة على حل مشاكلها بنفسها إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد وتوافقت الرؤى”، مضيفة: “إن الجزائر، بهذه الكلمة، لا تدعو فقط إلى حل أزمة جنوب السودان، بل تدعو إلى تأسيس عقد إفريقي جديد يقوم على الشراكة لا التبعية، والاستقرار لا الهيمنة، والكرامة لا الخضوع، بما يمكن أن يشكل أساسًا لنظام إقليمي إفريقي جديد يكون فيه للقارة صوت مسموع في النظام الدولي، وتكون فيه للدول الإفريقية قدرة على حماية مصالحها وتحقيق تنميتها وصون كرامتها.”
مهدي الباز




