تكشف وثائق أمريكية عن توظيف المخزن المال والضغط السياسي في واشنطن للتأثير على قضية الصحراء الغربية ومحاصرة جبهة البوليساريو.
عقود مالية وشبكة من شركات الضغط
تكشف وثائق مسجلة لدى وزارة العدل الأمريكية، بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب (FARA)، عن شبكة من شركات الضغط التي عملت لصالح المخزن داخل واشنطن منذ عام 2017، بهدف التأثير على مواقف الكونغرس الأمريكي تجاه قضية الصحراء الغربية.
وتشير المعطيات الواردة في وثائق استعرضها فيديو متداول على منصة «تيك توك»، إلى أن هذه الشركات باشرت نشاطها عبر عقود مالية واتصالات سياسية ومحاولات للتأثير على التغطية الإعلامية للملف الصحراوي.
ويؤكد الفيديو أن الوثائق ليست تسريبات، بل إفصاحات قدّمتها الشركات نفسها إلى السلطات الأمريكية، وهي متاحة للاطلاع العام.
وبحسب الوثائق، وجّهت شركة «JPC Strategies»، في 17 نوفمبر 2017، رسالة إلى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، عرضت فيها خدماتها مقابل 225 ألف دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى، على أن تتبعها دفعات شهرية.
واستعانت الشركة، التي يرأسها جيمس كريستوفرسون، نائب رئيس ديوان السيناتور الأمريكي السابق تيد كروز، بشركات أخرى، من بينها «Iron Bridge»، التي بلغت قيمة عقدها 20 ألف دولار شهرياً لمدة 18 شهراً، ابتداءً من جانفي 2018، إلى جانب شركة «Glover Park» المكلّفة بمهام مرتبطة بالكونغرس ووسائل الإعلام.
محاولات التأثير على مواقف الكونغرس
وفي جانفي 2018، وزّعت الشركة ورقة داخل أروقة الكونغرس بعنوان «المغرب والصحراء الغربية»، تضمّنت مواقف تستهدف التأثير على النقاش بشأن المساعدات الأمريكية المرتبطة بالمنطقة.
وسعت هذه التحرّكات إلى إسقاط بند يلزم واشنطن بالتشاور مع الأمم المتحدة قبل اتّخاذ أي قرار بشأن المساعدات المتعلقة بالصحراء الغربية.
كما تضمّنت الورقة تحذيراً لباحث أمريكي من أن إقامة دولة صحراوية مستقلة قد تجعل المنطقة أكثر عرضة لنشاط الجماعات الإرهابية، في محاولة لربط مطلب تقرير المصير بالمخاطر الأمنية.
اتصالات سياسية وتبرعات مالية
وشملت التحرّكات خلال عام 2018 لقاءات مع مكاتب أعضاء في الكونغرس، من بينهم النائب جو ويلسون، إلى جانب التواصل مع السيناتور تيد كروز.
ففي 21 أوت 2018، قدّمت الشركة تبرّعاً بقيمة 1500 دولار لحملة كروز الانتخابية، قبل أن تعقد لقاءً معه في 18 سبتمبر من العام نفسه.
وفي 28 سبتمبر 2018، قدّم النائب جو ويلسون مشروع قرار في مجلس النواب الأمريكي يدين ما وصفه بـ«الأعمال الاستفزازية» لجبهة البوليساريو.
ويلفت الفيديو إلى أن نص القرار استخدم وصف «المزعوم» عند الإشارة إلى دعم إيران لجبهة البوليساريو، دون تقديم هذه المزاعم باعتبارها حقائق مثبتة.
كما يشير إلى تبرّع مالي لاحق لحملة أحد المشاركين في رعاية القرار، واستمرار الاتصالات السياسية خلال عام 2019، من خلال لقاء جديد مع كروز في سبتمبر واتصالات بمكتب السيناتور ماركو روبيو في أكتوبر.
وبحسب الأرقام الواردة في الفيديو، بلغت الكلفة الإجمالية لهذه التحرّكات نحو مليون دولار خلال فترة اثني عشر شهراً، استناداً إلى تقارير الشركة الممتدة بين عامي 2018 و2020.
ومن بين التفاصيل الأخرى، وجود بند في عقد شركة «Gray Global» لعام 2017 يمنعها من تمثيل الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية .
عودة التحركات في 2021 وتصعيد جديد في 2026
وتشير الوثائق إلى عودة نشاط شركات الضغط في ديسمبر 2021، من خلال شركة «Brownstein»، التي أجرت اتصالات مع عدد من أعضاء مجلس النواب الأمريكي، من بينهم دون بيكن وروني جاكسون وجو ويلسون.
كما تفيد المعطيات بأن السفارة المغربية دفعت 150 ألف دولار في 27 ديسمبر 2021.
وفي 11 مارس 2026، قدّم السيناتور تيد كروز مشروع قانون يحمل رقم S.4063، يهدف إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية.
ويشير الفيديو إلى أن ملف رسالة التعاقد مع شركة «Brownstein» يحمل التاريخ نفسه، كما سجّلت الشركة ستة اتصالات بمكتب كروز بين 13 و17 مارس بشأن مشروع القانون، قبل توقيع السفير المغربي يوسف العمراني العقد.
وفي 30 جوان 2026، قُدم مشروع مماثل في مجلس النواب الأمريكي تحت رقم H.R. 9982، بمشاركة عدد من النواب، من بينهم دون بيكن وروني جاكسون.
ووفق الأرقام الواردة في الفيديو، سجّلت الشركة حتى نهاية أوت 92 اتصالاً بشأن مشروعي القانون، إلى جانب نحو 60 محاولة للترويج إعلامياً لمطلب تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية.
المال والنفوذ على حساب الشعب
وتكشف هذه التحرّكات عن حجم الرهان الذي يضعه المخزن على المال والضغط السياسي في محاولة للتأثير على المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء الغربية، ومحاصرة جبهة البوليساريو والتشويش على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. وبينما تُوجَّه أموال طائلة إلى شركات الضغط في واشنطن لخدمة أجندة سياسية خارجية، تواجه قطاعات واسعة من الشعب المغربي تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة، من غلاء المعيشة والبطالة إلى تراجع القدرة الشرائية وصعوبة توفير متطلبات الحياة اليومية.
وتطرح هذه المفارقة تساؤلات حول أولويات المخزن، الذي يراهن على شراء النفوذ وتلميع صورته في الخارج، في وقت تتواصل فيه معاناة المواطنين المغاربة مع أوضاع معيشية صعبة. فبدلاً من توجيه الإمكانات نحو تحسين ظروف المواطنين والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية، تتحوّل قضية الصحراء الغربية إلى ساحة لإنفاق الأموال واستثمار النفوذ السياسي، في محاولة لفرض رواية المخزن وإضعاف المطالب المشروعة للشعب الصحراوي، غير أن المال واللوبيات مهما اتّسع نفوذها لا يمكن أن تحسم قضية تصفية استعمار، ولا أن تلغي حق الشعوب في تقرير مصيرها.




