أقلامنا الأولى الوطني تحاليل وآراء

صحافة البيانات وتحولات الممارسة الإعلامية في عصر التطور التكنولوجي

أفرز التطوّر التكنولوجي المتسارع تحوّلات عميقة في ممارسات الصحافة وأنماط العمل الصحفي، حيث لم يعد الصحفي يعتمد فقط على السّرد التقليدي للأحداث، بل أصبح مطالبًا بالتعامل مع كميات هائلة من البيانات التي تنتج يوميًا عبر المنصات الرقمية والمؤسسات الرسمية والخاصة. وأمام هذا التدفّق غير المسبوق للمعلومات، برزت صحافة البيانات كأحد أهم التحوّلات البارزة في المجال الإعلامي المعاصر، باعتبارها استجابة مهنية وتقنية لحاجيات عصر يقوم على الأرقام والتحليل والمعالجة الذكية للمعطيات.

ورغم أن التعامل مع البيانات لطالما شكّل جزءً أساسيًا من العمل الصحفي، فإن دمجها مع التكنولوجيا الرقمية أحدث تحولًا نوعيًا في طرق الإنتاج الصحفي. هذا التحوّل لم يقتصر على استخدام الأرقام كعنصر داعم للنص، بل فتح المجال أمام معالجة مجموعات ضخمة من البيانات وتحليلها باستخدام أدوات وخوارزميات متقدّمة، ما مكّن الصحفيين من تقديم محتوى أكثر عمقًا ودقّة، وقادر على تفسير الظواهر بدل الاكتفاء بوصفها. وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب هذا النمط القائم على البيانات زخمًا ملحوظًا، حيث اتّجهت العديد من غرف الأخبار العالمية إلى توظيف البيانات والتحليل الخوارزمي في بناء مضامينها الصحفية.

ويُجمع عدد من الباحثين على أن مصطلح “صحافة البيانات” اكتسب شهرته الواسعة عقب التقارير التي نشرتها صحيفتا الغارديان ونيويورك تايمز حول تسريبات ويكيليكس سنة 2010، والتي كشفت قوة البيانات الخام حين تُقدَّم في سياق تحليلي ومنهجي. غير أن جذور هذا المفهوم تعود إلى سنوات سابقة، إذ يرجع البعض بداياته إلى سنة 2006، عندما دعا Adrian Holovaty، مؤسس موقع every block، في مقال بعنوان “التغيير الأساسي الذي تحتاجه الصحف”، إلى نشر بيانات منظمة وقابلة للقراءة الآلية إلى جانب النصوص الصحفية التقليدية، معتبرًا أن المستقبل الإعلامي مرهون بقدرة الصحافة على استثمار البيانات.

في المقابل، يربط باحثون آخرون نشأة صحافة البيانات ببدايات الصحافة بمساعدة الكمبيوتر، حين استخدمت شبكة CBS في الولايات المتحدة الأمريكية حاسوبًا مركزيًا للتنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية، في تجربة شكلت منعطفًا في توظيف التكنولوجيا لخدمة العمل الصحفي. كما يرى اتجاه آخر أن تحليل البيانات في الصحافة يعود إلى سنة 1967، عندما استخدم Philip Meyer حاسوبًا مركزيًا لتحليل دراسة استقصائية حول سكان مدينة ديترويت، بهدف فهم وتفسير أعمال الشغب الخطيرة التي شهدتها المدينة آنذاك، وهو ما فتح الباب أمام ما عُرف لاحقًا بالصحافة الدقيقة.

وتذهب بعض القراءات التاريخية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أنّ أول تجربة يمكن تصنيفها ضمن صحافة البيانات تعود إلى 5 مايو 1821، عندما نشرت صحيفة Manchester Guardian بيانات مسرّبة حول العدد الحقيقي للتلاميذ المنتظمين في الدراسة بأكثر من 70 مدرسة في مقاطعة مانشستر، في خطوة كشفت مبكرًا قدرة البيانات على تصحيح الخطاب الرسمي وتنوير الرأي العام.

ورغم هذا التراكم التاريخي والتطوّر المتسارع، فإن صحافة البيانات تكاد تكون غائبة في الجزائر، وفق ملاحظات العديد من المتابعين للمشهد الإعلامي. ويُعزى هذا الغياب إلى جملة من العوامل، من بينها النمط التعليمي السائد في الجامعات والمعاهد المتخصّصة، الذي لا يمنح هذا النوع من الصحافة الاهتمام الكافي، إلى جانب ضعف تركيز المؤسسات الإعلامية على الاستثمار في هذا المجال. كما يواجه الصحفي نفسه تحديًا يتمثّل في الاكتفاء بنقل الأخبار دون تطوير المهارات التحليلية والتقنية التي تتيح له التعامل مع البيانات وتحويلها إلى محتوى صحفي ذي قيمة مضافة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو صحافة البيانات أكثر من مجرد توجّه عابر، بل مسارًا حتميًا لصحافة المستقبل، يفرض على المؤسسات الإعلامية والمنظومات التكوينية مراجعة أدواتها ومناهجها، إذا ما أرادت مواكبة التحوّلات العالمية وبناء صحافة قادرة على التحليل والتفسير، لا مجرد التلقين ونقل الوقائع.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام