يعتبر التاريخ حجر الزاوية في فهم السياسة، فهو المخبر للأحداث والمصدر الرئيسي للحكم على الوقائع. وعليه، فإن من يريد الحقيقة وفهمها يعود إلى التاريخ كمصدر لاستحضار الوقائع وكشف ملابساتها.
وفي هذا السياق، تفتح “شرشال نيوز” نافذة على ملف من ملفات “الذاكرة التاريخية” بين الجزائر وفرنسا، وهو أسباب سقوط الجزائر سنة 1830، والذي يعد من أعقد المواضيع التاريخية؛ لأسباب عدة لعل أبرزها هو عدم توفر المصادر والوثائق المهمة التي تخشى فرنسا إلى يومنا هذا الكشف عنها، أو عن الأرشيف الوطني الذي تطالب الدولة الجزائرية بحقها في استرجاعه.
وللخوض في هذا الملف، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالكاتب الصحفي ومدير جريدة “المقال” محمد لكحل، الذي قدم في مقال له قراءة تاريخية تستند إلى مداخلة أكاديمية قدمها الأستاذ الدكتور بلحاج محمد، أستاذ التاريخ بجامعة وهران.
قراءة في الموضوع يقدّمها الكاتب الصحفي: محمد لكحل
يرى الكاتب الصحفي محمد لكحل أن سقوط مدينة الجزائر سنة 1830 لم يكن حدثًا عسكريًا بسيطًا، بل لحظة مفصلية تختلط فيها الوقائع العسكرية بالرهانات السياسية والخفايا التي ما تزال تثير الجدل إلى اليوم، متسائلاً بالقول: “كيف لمدينة كانت محصنة بأكثر من 4 آلاف مدفع حسب المؤرخ الجزائري الراحل أبو القاسم سعد الله، سقطت في ظرف وجيز أمام الحملة الفرنسية؟“. مما يفتح الباب -حسبه- لطرح التساؤل: هل كان السقوط حتميًا أم نتيجة اختلالات وخيارات مصيرية؟
تشير العديد من الروايات إلى أن الجزائر العاصمة كانت تمتلك ما يقارب أربعة آلاف مدفع موزعة على أسوارها وحصونها، ما جعلها واحدة من أقوى المدن دفاعيًا في حوض المتوسط. ومع ذلك، تمكنت قوات فرنسا من اقتحامها بسرعة نسبية سنة 1830، ومهدت لاحتلال دام قرناً واثنين وثلاثين سنة جثم فوق رقاب الأحرار الجزائريين. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا بقيت هذه المدافع صامتة ما دام أنها كانت ترسانة إن أخرجت جمراتها حتماً كانت ستغير مجرى التاريخ وتجنب الجزائر ويلات احتلال غاشم؟
هذا التناقض بين قوة التحصين وسرعة السقوط غذّى أطروحات تتحدث عن سوء تقدير، أو حتى تواطؤ داخلي، خاصة مع قرار التسليم الذي أنهى المعركة قبل استنفاد كل وسائل الدفاع. وبين هذا وذاك، يبقى المؤكد أن المقاومة الشعبية لم تتوقف، حيث برزت مناطق وأبطال رفضوا الاستسلام وقدموا نماذج مشرفة في الدفاع عن الأرض.
خزينة الداي… غنيمة الاحتلال وبداية النزيف
من أبرز ما رافق سقوط الجزائر، استيلاء القوات الفرنسية على خزينة الداي، والتي كانت — حسب مصادر تاريخية — مليئة بالذهب والأحجار الكريمة، إضافة إلى ممتلكات الدولة. هذا الحدث لم يكن مجرد نهب عابر، بل شكل نقطة تحول اقتصادية؛ حيث ساهمت هذه الثروات في دعم خزينة فرنسا التي كانت تمر بصعوبات مالية آنذاك، مما جنبها حرباً أهلية طاحنة.
ولم يتوقف الأمر عند الذهب، بل شمل أيضًا الأرشيف العثماني ووثائق تاريخية تعود لفترات مختلفة، بما فيها عصور سابقة مثل الدول الزيانية والمرينية. هذه الوثائق، التي لا تزال نسبة منها محفوظة في فرنسا، تمثل اليوم جزءًا أساسيًا من معركة الذاكرة، إذ إن استرجاعها يعني استعادة جزء من التاريخ الوطني وإعادة كتابته من مصادره الأصلية.
ذاكرة لا تموت… بين الاعتراف والمطالبة بالاسترجاع
رغم مرور قرابة قرنين على الاحتلال، لا تزال قضايا الذاكرة مطروحة بقوة، خاصة مع مطالب استرجاع الممتلكات التاريخية، وعلى رأسها المدافع الجزائرية التي تُعرض اليوم في حدائق وقصور داخل فرنسا. وحتى الفرنسييون، وقصد التخلص منها وإذلال الجزائريين الذين سبق لهم وأن ذلوا فرنسا في معاقلها، قاموا بطمرها في حواف الموانئ الجزائرية بالمعكوس لاستعمالها لشد حبال السفن، وهو ما يعتبر بلغة البحرية العسكرية القديمة بمثابة رسالة من الغالب نحو المغلوب.
أما بشأن اعتراف الفرنسيين بالجرائم الفظيعة التي قام بها أسلافهم، فلا تزال سمة التراجع هي الطاغية لدى ساسة “الإليزيه”؛ ولعل أبرز مثال على ذلك تصريحات إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية الأولى التي أراد بالحيلة اكتساب ود الجالية الجزائرية لأغراض انتخابية حين وصف الاستعمار بأنه جريمة، قبل أن تتغير نبرة خطابه لاحقًا بعد اعتلائه الكرسي إثر تعرضه لضغوط من “اللوبي الصهيو-يميني”.
بين الكفاءة والمحسوبية… مفاتيح السقوط في شهادة المؤرخين
يرد أستاذ التاريخ بجامعة وهران، بلحاج محمد، الضليع في الفترة العثمانية، السبب الرئيسي لسقوط مدينة الجزائر سنة 1830 إلى سوء التسيير في دواليب الحكم حينها. فحسبه، لو سار الداي الحسين على نفس نسق سلفه الداي علي خوجة لنجت الجزائر من مصيدة الاحتلال، مثلما نجت من حملة “شارلكان”. حيث إن الداي علي خوجة كان دائم الإصرار على التقرب من المواطنين، وهو ما يفسر اتخاذه قصر “باب الجديد” مكاناً للحكم بدلاً من قصر “الجنينة”. لكن إصرار الداي الحسين على تنصيب صهره كوزير للحربية مكاناً للمخضرم “يحيى آغا” أفسد الأمر، خصوصاً وأن المعني لا يفقه في الأمور العسكرية، الأمر الذي سهل مأمورية الاحتلال على الكونت “دوبورمون” قائد الحملة العسكرية الفرنسية.
ويضيف المؤرخ بلحاج محمد أن سقوط الجزائر، الذي كان بمثابة حلم لفرنسا، يشهد عليه أحد أبناء مدينة وهران “مسلم بن عبد القادر الوهراني الحميري” الذي حضر وعاين عن قرب المعركة نيابة عن باي وهران “حسن باشا”، وكتب قصيدة شعرية يرثي فيها سقوط الجزائر قائلاً في أحد أبياتها: “أصابتكِ العين بعد أن كنتِ كسدّ ذي القرنين“، متحسراً في باقي الأبيات على تلك النكبة لسقوط أحد قلاع الحق وناصرة المظلومين.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأعمال الفنية والتاريخية في نقل معاناة الجزائريين خلال السنوات الأولى للاحتلال، وهنا ينبغي التنويه بمسلسل “فاطمة“ للمخرج جعفر قاسم الذي عرض خلال شهر رمضان، والذي كان دليلاً معنوياً لما عاناه الجزائريون في تلك الفترة، وينبغي تكرار مثل هذه الأعمال بالتعاون مع المؤرخين لفضح الأساليب الفرنسية الخسيسة التي يريد الفرنسيون تغييبها عمداً.
وتبقى قصة سقوط الجزائر سنة 1830 أكثر من مجرد حدث تاريخي… إنها ملف مفتوح بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والإنصاف، وبين ما حدث فعلاً وما يجب أن يُستعاد اليوم، وما يجب إعادة التأريخ له من جديد.




