يتكشّف المشهد الإقليمي اليوم عن نمطٍ متكرر من الأزمات المتداخلة التي لم تعد أحداثًا معزولة، بل تحوّلت إلى مسار ممنهج يستهدف تفكيك الدول من الداخل عبر تغذية الصراعات المحلية، وصناعة وكلاء صراع يتحركون ضمن مشروع واحد يقوم على إضعاف الكيانات الوطنية وتحويلها إلى كيانات هشة قابلة للاختراق والهيمنة.
ويتجلّى هذا المسار بوضوح من خلال ست عقد انفصالية موزّعة جغرافيًا، لكنها تلتقي وظيفيًا في هدف واحد، يتمثل في إنهاك الدولة الوطنية وإفراغها من مضمونها السيادي، خدمةً لمعادلات إقليمية ودولية تصب في صالح المشروع الصهيوني وحلفائه. فالمشهد الليبي، على سبيل المثال، يعكس كيف تحوّل خليفة حفتر إلى أداة لإدامة الانقسام وتعطيل أي مسار وطني جامع، عبر فرض واقع عسكري موازٍ لمؤسسات الدولة، ما جعل ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية.
وفي السودان، يبرز نموذج محمد حمدان دقلو “حميدتي” بوصفه تجسيدًا آخر لوكيل الحرب، حيث جرى تفكيك الدولة من الداخل عبر صراع دموي دمّر مؤسساتها، وفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات بما يخدم مصالح خارجية، على حساب وحدة البلاد واستقرارها الاجتماعي والسياسي.
أما في اليمن، فقد مثّل عيدروس الزبيدي عنوانًا لمشروع انفصالي يسعى إلى تمزيق الجغرافيا اليمنية، مستندًا إلى دعم إقليمي مباشر، في محاولة لإعادة إنتاج مشهد التقسيم تحت شعارات محلية تخفي خلفها أهدافًا استراتيجية أوسع تتقاطع مع مشاريع الهيمنة في المنطقة.
وفي سوريا، يتكرر النموذج ذاته عبر شخصيات انفصالية تسعى إلى فرض وقائع ميدانية بدعم خارجي، بما يُبقي الدولة السورية في حالة استنزاف دائم، ويحول دون استعادة وحدتها وسيادتها الكاملة. أما في القرن الإفريقي، فيبرز عبد الرحمن في ما يسمى “أرض الصومال” كنموذج صارخ لمحاولة شرعنة الانفصال بدعم خارجي، في تحدٍّ مباشر لوحدة الصومال وسلامته الإقليمية، وتهديد واضح لأمن المنطقة برمتها.
ولا يختلف المشهد في غزة، حيث تُستغل بعض الأدوات المحلية، مثل ما عرف بـ“أبو شباب”، لإرباك الجبهة الداخلية الفلسطينية، وإضعاف تماسك المجتمع، بما يخدم الاحتلال ويمنحه هامشًا أوسع للمناورة، في سياق مشروع يهدف إلى تفريغ القضية الفلسطينية من بعدها التحرري وتحويلها إلى نزاعات داخلية مستنزِفة.
ويكشف هذا الترابط بين الساحات المختلفة أن ما يجري ليس صدفة سياسية ولا نتاج أزمات داخلية معزولة، بل هو جزء من هندسة فوضى مدروسة، تُدار عبر وكلاء محليين، وتُغذّى بالمال والسلاح والإعلام، بهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق التفكيك بدل التكامل، والتبعية بدل السيادة.
وتؤكد هذه المعطيات أن مواجهة هذا المشروع لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تتطلب وعيًا سياسيًا جماعيًا، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، ويُحصّن المجتمعات من الانزلاق خلف مشاريع التفتيت، ويُعيد الاعتبار لمفهوم التضامن الإقليمي في مواجهة محاولات إعادة رسم الخرائط على حساب الشعوب واستقرارها.




