أقلامنا الأولى الوطني تحاليل وآراء

تحولات عميقة في مسار الدولة الجزائرية بين السيادة الاقتصادية وترسيخ العدالة الاجتماعية

تشهد الجزائر خلال السنوات الأخيرة مسارًا تحوّليًا متدرّجًا يعكس انتقال الدولة من مرحلة إدارة الأزمات والاختلالات إلى مرحلة تثبيت الخيارات الاستراتيجية وبناء نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة. ويقوم هذا التحوّل على مقاربة شاملة تدمج البعد السياسي بالاقتصادي والاجتماعي، وتضع السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية في صلب السياسات العمومية.

فعلى المستوى السياسي، يتجلّى توجّه واضح نحو إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية وتعزيز أدوارها، بما يسمح بإرساء توازن فعلي بين السلطات وترقية الممارسة الديمقراطية داخل الإطار القانوني. ويعكس هذا المسار قناعة بأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقّق دون مؤسسات قوية وفاعلة قادرة على مواكبة تطلّعات المجتمع وحماية المصالح العليا للدولة.

اقتصاديًا، تتّجه الدولة نحو بناء نموذج أقل هشاشة وأكثر ارتباطًا بالإنتاج الوطني، من خلال تنويع مصادر الدّخل، وتشجيع الاستثمار المنتج، واستعادة الثّقة في المؤشرات الاقتصادية. ويُلاحظ أن التركيز لم يعد منصبًا على الحلول الظرفية، بل على معالجة الأسباب البنيوية للاختلالات، سواء تعلّق الأمر بالتضخّم، أو بالتبعية للاستيراد، أو بضعف النسيج الصناعي. وفي هذا السياق، عادت الصناعة لتُطرح كخيار سيادي، لا كقطاع ثانوي، باعتبارها رافعة أساسية لتحقيق الأمن الاقتصادي.

ويتكامل هذا التوجّه مع استثمارات كبرى في البنى التحتية، التي تُعد عنصرًا حاسمًا في ربط الثروات الطبيعية بالاقتصاد الحقيقي، وتحويل الإمكانات الكامنة إلى مشاريع ذات أثر مباشر على النمو والتشغيل. كما يشكّل تطوير قطاعات المناجم، الفوسفات، والحديد وكذا السكك الحديدية جزءً من رؤية تهدف إلى التحكم في سلاسل القيمة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يبرز تمسّك واضح بالطابع الاجتماعي للدولة، ليس كخيار ظرفي، بل كركيزة ثابتة في فلسفة الحكم. فحماية القدرة الشرائية، واستمرار الدّعم، وضمان الولوج العادل إلى الصّحة والسكن والتعليم، تعكس إدراكًا بأن الاستقرار الاجتماعي شرط أساسي لإنجاح أيّ مسار إصلاحي. ويُنظر إلى العدالة الاجتماعية هنا باعتبارها استثمارًا في الاستقرار والتنمية، لا عبئًا على المالية العمومية.

كما تحتل فئة الشباب مكانة محورية في هذا التصوّر، من خلال تشجيع المؤسسات الناشئة، ودعم الابتكار، وربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي. ويعكس هذا التوجّه وعيًا بأن مستقبل الاقتصاد الوطني مرتبط بقدرة الدولة على استثمار رأس المال البشري، والتحوّل التدريجي نحو اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا.

خارجيًا، يتقاطع هذا المسار الداخلي مع سياسة تقوم على احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، والدفاع عن القضايا العادلة، مع الحرص على استقرار الجوار الإقليمي. ويعكس هذا التوازن بين الداخل والخارج رؤية تعتبر أن قوة الدولة تبدأ من الداخل، من خلال تماسكها الاجتماعي وصلابة خياراتها الاقتصادية.

في المجمل، تتّجه الجزائر نحو ترسيخ نموذج يقوم على دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها الاجتماعية، وسيادية في خياراتها الاقتصادية، في مسعى لبناء تنمية مستدامة تستجيب لتحدّيات الحاضر وتؤسس لرهانات المستقبل.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام