أشرفت وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، رفقة وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، اليوم السبت، بالنادي الوطني للجيش ببني مسوس (الجزائر العاصمة)، على أشغال الدورة الثانية للجنة الوزارية المشتركة للذاكرة البيئية، الموسومة بـ”الذاكرة البيئية.. أرض تشهد وجرائم توثّق”، تزامناً مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، وفي إطار متابعة تنفيذ مشروع الذاكرة البيئية الاستعمارية.
حضور مسؤولين وممثلي الهيئات الوطنية
وحضر اللقاء وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، إلى جانب صالح رقيق، نائب رئيس مجلس الأمة، وعبد الكريم جلاط، رئيس لجنة الصحة والسكان والشؤون الاجتماعية والعمل بالمجلس الشعبي الوطني، ومحمد لحسن زغيدي، رئيس اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ماية فاضل ساحلي، واللواء عبد العزيز مجاهد، المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، ومحمد هشام قارة، رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، فضلاً عن ممثلي الهيئات والمؤسسات الوطنية، وممثلي الأسرة الثورية، وعدد من وسائل الإعلام الوطنية.

معرض للذاكرة البيئية
وقبل افتتاح الأشغال، قام الحضور بجولة في معرض للذاكرة البيئية نُظّم بالمناسبة، قبل أن تنطلق الفعاليات رسمياً بعزف النشيد الوطني والوقوف ترحماً على أرواح الشهداء الأبرار، ثم عرض فيلم وثائقي قصير حول الذاكرة البيئية.

“الذاكرة البيئية” ملف علمي لإثبات الجرائم الاستعمارية في حق الأرض والإنسان
وفي كلمتها بالمناسبة، أكدت وزيرة البيئة و جودة الحياة، كوثر كريكو، أن مشروع الذاكرة البيئية يهدف إلى توثيق الجرائم الاستعمارية الفرنسية المرتكبة في حق الطبيعة والإنسان، من خلال أدلة علمية وشهادات تاريخية تكشف الأضرار التي خلفتها الأسلحة الكيميائية والتفجيرات النووية والألغام وسياسة الأرض المحروقة على الأنظمة الإيكولوجية الوطنية.
كما استعرضت النتائج المرحلية للتحاليل المخبرية المنجزة على عدد من المواقع المتضررة بيئياً، بهدف تحديد طبيعة الأضرار وتوثيق آثارها علمياً، لاسيما ما خلفته قنابل النابالم من تدمير للغطاء النباتي والإخلال بالتوازن البيئي.
وأبرزت كريكو أن هذه الأشغال تندرج ضمن مسعى وطني لإعداد ملف علمي وتاريخي موثق، يثبت الانتهاكات الاستعمارية في حق البيئة والأنظمة الإيكولوجية، ويبرز مسؤولية المستعمر في ضوء المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية البيئة.

جهود سيادية لتطهير مخلفات الجرائم الاستعمارية الفرنسية
ومن جانبه، استحضر وزير المجاهدين وذوي الحقوق،عبد المالك تاشريفت، الآثار المأساوية للتفجيرات النووية الاستعمارية الفرنسية في الجنوب الجزائري، مشيداً بالجهود السيادية التي تبذلها وزارة الدفاع الوطني، بالتنسيق مع الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل المواقع القديمة للتجارب والتفجيرات النووية الفرنسية بالجنوب الجزائري، في سبيل معالجة مخلفات هذه التجارب وحماية البيئة والإنسان.
وفي السياق ذاته، نوّه عبد المالك تاشريفت بانطلاق العملية الثانية لتطهير موقع نفق “بيريل E2” بمنطقة إن يكر بتمنراست، بالتزامن مع الاحتفالات المخلدة للذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، مؤكداً أن هذه العملية المعقدة تُنجز بكفاءات وإمكانيات وطنية خالصة، ووفق أعلى المعايير المعتمدة لتجميع النفايات المشعة وتخزينها.
كما أعلن وزير المجاهدين وذوي الحقوق، في إطار مواصلة أشغال الجلسات الوطنية للذاكرة والتاريخ عبر الورشات الموضوعاتية المتخصصة، عن التحضير لتنظيم ورشة حول “الذاكرة البيئية والتنمية المستدامة” بالشراكة مع وزارة البيئة وجودة الحياة، خلال شهر فيفري 2027، تزامناً مع إحياء الذكرى السابعة والستين للتفجيرات النووية الفرنسية برقان.

للأرض ذاكرة لا تقل أهمية عن ذاكرة الإنسان
وأكد عميد جامع الجزائر، الشيخ المأمون القاسمي الحسني، في كلمة له، أن إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة يمنح اللقاء دلالة وطنية عميقة، ويستدعي التأمل في معنى آخر من معاني الوفاء للوطن، يتصل بالأرض التي احتضنت كفاح أبنائه، وحفظت آثار تضحياتهم، وظلت شاهدة على مسيرتهم نحو الحرية والانعتاق والسيادة.
وأوضح أن الذاكرة لا تقتصر على ما تحفظه الوثائق، وما ترويه الشهادات، وما تصونه المؤسسات الثقافية والعلمية من آثار التاريخ الإنساني، بل إن الأرض نفسها تحمل ذاكرة لا تقل أهمية عن ذاكرة الإنسان، مشيراً إلى أن توثيق الأضرار البيئية بالأدلة العلمية يمثل خطوة أساسية لبناء معرفة دقيقة بتاريخ البيئة، وتمكين المؤسسات من اتخاذ القرارات المناسبة لمعالجة آثار تلك الأضرار.
وفي هذا السياق، ثمّن عميد جامع الجزائر جهود اللجنة الوزارية للذاكرة البيئية وما أنجزته من عمل، لما ينطوي عليه من قيمة علمية ووطنية، وما يفتحه من آفاق لتطوير البحث وتعزيز الوعي وإرساء ثقافة المسؤولية البيئية.
وأضاف أن أهمية هذا العمل تزداد عندما يتعلق الأمر بالأضرار البيئية التي شهدتها الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وما خلفته من آثار طالت الأرض ومواردها الطبيعية ومحيطها الحيوي، مؤكداً أن توثيق هذه الأضرار بالأدلة العلمية يضيف بعداً مهماً إلى كتابة التاريخ الوطني.
واعتبر أن هذا الجهد يحمل قيمة علمية ووطنية بالغة، كونه يسهم في حفظ شواهد التاريخ وإغناء الذاكرة الوطنية بمعطيات موثقة، وتعزيز وعي الأجيال بحقها في معرفة ما شهدته أرضها، وما يقتضيه ذلك من مسؤولية في صونها وحمايتها، مشدداً على أن الوفاء لتاريخ الجزائر يقتضي حفظ ذاكرة الإنسان وذاكرة الأرض معاً، وجعل المعرفة الدقيقة بالماضي منطلقاً لوعي أعمق بمسؤوليات الحاضر وتحديات المستقبل.
ومن جهة أخرى، أشار عميد جامع الجزائر إلى أن الذاكرة البيئية تتيح إعادة التفكير في مفهوم التنمية ذاته، موضحاً أن التنمية التي تنظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها رصيداً متاحاً للاستهلاك الآني، قد تحقق بعض المكاسب في المدى القريب، لكنها قد تترك للأجيال القادمة أعباء يصعب تداركها.
كما لفت ايضا، الى إن التنمية التي تستحضر الذاكرة، وتستفيد من دروس التاريخ، وتأخذ بعين الاعتبار حدود الموارد الطبيعية وحق الأجيال في الانتفاع بها، تؤسس لمسار أكثر توازناً واستدامة، مؤكداً أن حماية البيئة ترتبط بمفهوم العدالة بين الأجيال.
وفي ختام مداخلته، أكد الشيخ المأمون القاسمي الحسني أن جامع الجزائر، بما يحمله من رسالة دينية وعلمية وحضارية، ينظر إلى المحافظة على البيئة والتضامن من أجلها باعتبارهما امتداداً لمعاني عمارة الأرض وصيانة الحياة وإرساء قيم المسؤولية.
واعتبر أن هذا الملتقى يمثل فرصة لتعزيز التكامل بين المعرفة العلمية والوعي الأخلاقي والتوثيق التاريخي والعمل المؤسساتي، بما يسهم في إرساء ثقافة بيئية تقوم على المعرفة والمسؤولية والمشاركة.
كما أعرب عن أمله في أن تفتح هذه المبادرة آفاقاً للتعاون بين المؤسسات الوطنية والجامعات ومراكز البحث، من أجل تطوير برامج علمية وتوعوية تعنى بالذاكرة البيئية، وتعمل على نقل مضامينها إلى الأجيال الجديدة.

خريطة وطنية للأماكن الملوثة بالجرائم الاستعمارية.. والجيش يخوض معركة التطهير
وفي كلمة له، كشف رئيس اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة، محمد لحسن زغيدي، عن إعداد خريطة وطنية للأماكن الملوثة بفعل الجرائم الاستعمارية، موضحاً أن المبادرة تندرج ضمن استكمال أركان الذاكرة الوطنية التي تشمل الإنسان والجغرافيا والمكان والزمان.
وأوضح زغيدي أن توجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ظلت تركز باستمرار على حماية الذاكرة والعناية بالمجاهدين، وهو ما كرّسه دستور نوفمبر 2020، وتجسد في إعداد ملف الدراسات التاريخية ومشروع قانون الذاكرة الوطنية.
وفي السياق ذاته، استعرض حجم الدمار البيئي الذي خلفه الاحتلال الفرنسي منذ بداياته، مؤكداً أن استخدام الأسلحة الكيميائية بدأ منذ عام 1852، ليتصاعد خلال ثورة التحرير عبر رمي قنابل “النابالم” الحارقة في المغارات والغابات بوسط البلاد، وزرع ما يزيد على 11 مليون لغم مضاد للأفراد على طول خط يتجاوز 1500 كيلومتر على الحدود الشرقية والغربية، ما تسبب في استشهاد وبتر أطراف آلاف الجزائريين حتى بعد الاستقلال.
كما تطرق زغيدي إلى ملف التجارب النووية البالغ عددها 17 تفجيراً، منها 4 سطحية و13 باطنية في منطقة إن إيكر، مبرزاً أن التفجيرات السطحية الأربعة فاقت قوة قنبلة هيروشيما بأكثر من 50 مرة، حيث وصلت السحابة الأولى لتفجير “اليربوع” إلى غات على الحدود الليبية وجنوب أوروبا، فضلاً عن تعريض أسرى من المجاهدين للإشعاعات عمداً، وترك المحتل عتاداً وآلات ملوثة فوق الأرض تواصل نشر سمومها وتتسبب في تشوهات جينية مستمرة.
وثمّن رئيس اللجنة جهود وزارة البيئة وجودة الحياة التي وضعت، عبر لجنة مختلطة من العلماء والمؤرخين، الخريطة الوطنية للمواقع المتضررة.
كما نوّه بدور الجيش الوطني الشعبي الذي اضطلع بمسؤولية التطهير ونزع الألغام الحدودية منذ صدور المادة العاشرة من دستور 1963، ليعود اليوم ويقود معركة متجددة بأحدث التقنيات لتطهير البيئة وحماية جودة حياة المواطنين من مخلفات الإشعاعات والجرائم الاستعمارية.

جلسات علمية حول الذاكرة البيئية
وتواصلت الأشغال بجلسة علمية حول الذاكرة البيئية، بمشاركة ممثلين عن المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، والمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، والمعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام للدرك الوطني، ووزارة الدفاع الوطني، ومركز البحث والتطوير التابع لمجمع سوناطراك، تم خلالها عرض حصيلة اللجنة الوزارية المشتركة والإعلان الرسمي عن نتائج التحاليل، إضافة إلى تقديم عرض علمي مبسط.
كما احتضن اللقاء جلسة بعنوان “الأرض في ذاكرة الثورة”، بمشاركة ثلاثة مجاهدين وأستاذ جامعي، لتختتم أشغال هذه الدورة بجملة من التوصيات التي تؤكد على ضرورة صون الذاكرة البيئية الوطنية.
وتجسد أشغال هذا الملتقى أهمية المقاربة الوطنية المتكاملة في معالجة ملف الذاكرة البيئية، من خلال الجمع بين التوثيق التاريخي والبحث العلمي والجهود الميدانية لإعادة تأهيل المواقع المتضررة، حفاظاً على الذاكرة الوطنية وحقوق الأجيال القادمة.



مهدي الباز




