لم يعد الحديث عن صناعة السيارات في الجزائر يقتصر على استقطاب العلامات العالمية أو افتتاح مصانع جديدة، بل أصبح يرتبط ببناء منظومة صناعية متكاملة تبدأ من إنتاج المواد الأولية التي تقوم عليها هذه الصناعة. وفي هذا السياق، يشكل نجاح مجمع توسيالي الجزائر في إنتاج أول لفافة من الفولاذ المدرفل على البارد محطة استراتيجية قد تعيد رسم ملامح قطاع السيارات خلال السنوات المقبلة.
وتُعد صفائح الفولاذ المدرفلة على البارد من أهم المواد المستخدمة في تصنيع هياكل السيارات وأبوابها وأسقفها، إلى جانب العديد من القطع الميكانيكية والأجهزة الكهرومنزلية. لذلك، فإن إنتاجها محليًا لا يمثل إنجازًا صناعيًا فحسب، بل خطوة عملية نحو رفع نسبة الإدماج الوطني وتقليص الاعتماد على الواردات.
أرقام تعكس حجم الاستثمار
دخل مصنع الدرفلة على البارد التابع لمجمع توسيالي مرحلة الإنتاج بطاقة تبلغ 1.4 مليون طن سنويًا، وهو ما يرفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للمجمع ببطيوة ولاية وهرا ن إلى نحو 8 ملايين طن من الفولاذ سنويًا. كما سيرتفع عدد الوحدات الصناعية بالمجمع من 17 إلى 22 وحدة إنتاجية، في إطار خطة توسع تهدف إلى تنويع المنتجات وتلبية احتياجات السوق الوطنية والصناعات التحويلية.
ويتميز المجمع أيضًا بقدرته على إنتاج أكثر من 500 نوع من الفولاذ بمواصفات مختلفة، ما يسمح بتلبية احتياجات قطاعات استراتيجية، على غرار صناعة السيارات، والصناعات الميكانيكية، والأجهزة الكهرومنزلية، والبناء.
الفولاذ أساس صناعة السيارات
لا يمكن الحديث عن صناعة سيارات متطورة دون توفر قاعدة قوية لإنتاج المواد الأولية، وفي مقدمتها الفولاذ. فهذه المادة تدخل في تصنيع الهيكل الخارجي للمركبة، والأبواب، والرفارف، والسقف، وعدد كبير من المكونات التي تتطلب دقة وجودة عالية.
وخلال السنوات الماضية، كانت المصانع الجزائرية تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد هذا النوع من الفولاذ، وهو ما كان يرفع تكاليف الإنتاج ويحد من نسبة الإدماج المحلي. أما اليوم، فإن توفر هذه المادة داخل الجزائر يمنح المصنعين فرصة أكبر للاعتماد على المورد المحلي، بما يساهم في تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية.
ومن أبرز المكاسب المنتظرة لهذا التطور:
رفع نسبة الإدماج المحلي في صناعة السيارات.
تقليص فاتورة استيراد الفولاذ والمواد الأولية.
تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على دخول مجال مناولة قطع الغيار.
استقطاب استثمارات جديدة في الصناعات الميكانيكية والتحويلية.
دعم تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الإقليمية.
فرصة لتعزيز صناعة السيارات
تراهن الجزائر على تطوير صناعة سيارات حقيقية من خلال استقطاب شركات عالمية، مثل فيات وأوبل وغيرها، غير أن نجاح هذه المشاريع لا يرتبط فقط بوجود مصانع للتجميع، بل أيضًا بتوفر شبكة قوية من الموردين المحليين القادرين على تزويدها بالمكونات والمواد الأساسية.
وفي هذا الإطار، تشير تقارير متخصصة إلى أن توسيالي تخطط لتخصيص ما يصل إلى 700 ألف طن سنويًا من الفولاذ لتلبية احتياجات صناعة السيارات، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو دعم هذا القطاع وتوفير احتياجاته من السوق المحلية.
من التجميع إلى التصنيع
يرى خبراء الصناعة أن الانتقال من مرحلة تجميع السيارات إلى صناعة حقيقية يتطلب بناء سلسلة إنتاج متكاملة، تبدأ من استخراج المواد الأولية، مرورًا بإنتاج الفولاذ وقطع الغيار، وصولًا إلى تصنيع المركبة النهائية. وهذا النموذج هو الذي مكّن العديد من الدول من بناء صناعات سيارات قوية وقادرة على المنافسة عالميًا.
وفي هذا الإطار، يمثل دخول الفولاذ المدرفل على البارد مرحلة الإنتاج في الجزائر خطوة مهمة ضمن استراتيجية تهدف إلى توطين الصناعات التحويلية ورفع القيمة المضافة للمنتجات الوطنية.
آفاق واعدة
يشكل نجاح توسيالي في إنتاج الفولاذ الموجه للصناعات الميكانيكية أكثر من مجرد توسع صناعي؛ فهو لبنة أساسية في مشروع بناء قاعدة صناعية متكاملة. وإذا تزامن هذا التطور مع توسع مصانع السيارات، وارتفاع نسبة الإدماج المحلي، وتطور شبكة المناولين، فإن الجزائر ستكون أقرب إلى تحقيق هدفها في إنشاء صناعة سيارات حقيقية، تبدأ من الفولاذ المحلي وتنتهي بمركبة تحمل قيمة مضافة وطنية مرتفعة، بما يعزز مكانة البلاد كقطب صناعي واعد في المنطقة.




