في عالم تتسارع فيه التحولات وتشتدّ فيه المنافسة بين القوى الكبرى والفاعلة في النظام الدولي للضغط على المناطق الحيوية في الخارطة الجيوسياسية العالمية، يصبح التكامل الإفريقي ضرورة استراتيجية تفرضها حسابات الأمن والطاقة والاقتصاد والسيادة.
وفي ظل تحديات النظام الإقليمي الراهنة، وعلى رأسها تنامي بؤر التوتر في الساحل والقرن الإفريقي والمتوسط، وتزايد محاولات إعادة رسم خريطة النفوذ في القارة، تجد إفريقيا نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تتكتل وتتحدّث بصوت واحد، أو تبقى ساحة تدار قراراتها من خارجها، وهو ما حذّر منه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في العديد من المناسبات والمحافل الدولية التي تناولت قضايا القارة.
ومن هنا تبرز قيمة النماذج الثنائية الناجحة في القارة، التي تحوّل الإرادة السياسية المشتركة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، ويأتي التعاون الجزائري المصري نموذجًا يُحتذى به في مسار التكامل الإقليمي الإفريقي.
ولفهم أعمق لهذا الموضوع الحيوي، المرتبط بمسارات أساسية للتكامل الإقليمي كالأمن والاقتصاد، في ظل رهانات تمسّ سيادة القارة، أجرت شرشال نيوز اتصالًا بالدكتورة نرمين فايز، باحثة في العلوم السياسية بجامعة السويس المصرية، التي أكّدت أن التكامل الإقليمي في القارة لم يعد مجرد خيار اقتصادي تسعى الدول إلى تحقيقه، بل أصبح حتمية تفرضها طبيعة التحوّلات الدولية المتسارعة، وما يصاحبها من تغير في أنماط التنافس الاقتصادي، وتداخل المصالح السياسية والأمنية، وتزايد الضغوط على الدول النامية في إدارة مواردها وحماية مصالحها.
وأوضحت الدكتورة نرمين فايز، في مداخلة لـ”شرشال نيوز”، أن القارة الإفريقية تواجه معادلة معقّدة، فهي تمتلك موارد طبيعية وبشرية ومقومات جغرافية تمنحها فرصًا واسعة للحضور الدولي، لكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلّق بضعف الترابط بين اقتصاداتها، وتفاوت القدرات الإنتاجية، ومحدودية البنية التحتية، فضلًا عن الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة التي تؤثر في استقرار عدد من مناطقها.
وأضافت أن أهمية التكامل الإفريقي لا تتوقف عند زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما تمتد إلى بناء قدرة جماعية على التعامل مع الأزمات، وتحسين شروط التفاوض مع القوى الدولية، وتوسيع هامش استقلال القرار الاقتصادي والسياسي للدول الإفريقية.
التكامل الإفريقي بين الطموح والواقع
أشارت الدكتورة نرمين فايز، في حديثها عن واقع التكامل الإفريقي، إلى وجود أطر مؤسسية مهمة، وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، لكن على رغم من ذلك أكّدت بوجود تحدّيات بإمكانها أن تحول دون ذلك ، قائلة “أن التحدي الحقيقي يتمثّل في الانتقال من الاتفاقيات المعلنة إلى التنفيذ الفعلي.”
وأضافت بأن التكامل لا يتحقّق بمجرد توقيع الاتفاقيات، وإنما يحتاج إلى سياسات متناسقة، وشبكات نقل واتصال أكثر كفاءة، وتسهيل حركة التجارة والاستثمار، وتطوير القدرات الصناعية، إلى جانب بناء مؤسسات قادرة على تحويل القرارات المشتركة إلى نتائج ملموسة.
وأضافت بالقول ” أن مستقبل التكامل الإفريقي يرتبط بقدرة الدول على تجاوز منطق التعاون الموسمي، والانتقال إلى شراكات طويلة الأمد تقوم على المصالح المتبادلة وتوزيع الأدوار والاستفادة من المزايا النسبية لكل دولة.”
التعاون المصري الجزائري وإمكانات بناء شراكة استراتيجية
وبخصوص التعاون المصري الجزائري، أكدت الدكتورة نرمين فايز أنه يمثل حالة مهمة في دراسة إمكانات التكامل العربي الإفريقي، بالنظر إلى ما تمتلكه الدولتان من ثقل جغرافي واقتصادي، وخبرات في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية، فضلًا عن امتداد مصالحهما إلى عدد من الملفات الإفريقية والعربية.
وأوضحت الباحثة في العلوم السياسية د. نرمين فايز، قائلة” أنه لا ينبغي النظر إلى العلاقات المصرية الجزائرية باعتبارها علاقات دبلوماسية تقليدية فحسب، بل باعتبارها فرصة لبناء شراكة متعدّدة المجالات، يمكن أن تتجاوز حدود التبادل التجاري إلى تطوير مشروعات إنتاجية واستثمارية مشتركة.”
وأشارت إلى أن العلاقات الثنائية شهدت خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها انعقاد الدورة التاسعة للجنة العليا المصرية الجزائرية المشتركة بالقاهرة في نوفمبر 2025، وتوقيع اتفاقيات وبرامج تعاون شملت قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة والتعليم والتدريب.
كما لفتت إلى توقيع مذكرة تفاهم في ماي 2026 بين الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة سوناطراك الجزائرية بشأن التعاون في شراء النفط الخام، معتبرة أن ذلك يعكس إمكانية توسيع التعاون الاقتصادي في القطاعات الاستراتيجية.
وشدّدت الدكتورة المصرية نرمين فايز، على أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوات لا تكمن في عدد الاتفاقيات وحده، وإنما في مدى القدرة على تحويلها إلى مشروعات مستدامة، تحقق عوائد اقتصادية للطرفين، وتخلق فرصًا جديدة للتصنيع والاستثمار ونقل الخبرات.
الأبعاد السياسية والأمنية للتكامل بين البلدين
وفيما يتعلق بالأبعاد السياسية والأمنية، أوضحت الدكتورة نرمين فايز، أن التعاون الاقتصادي لا ينفصل عنها، خاصة في ظل التحديات التي تواجه شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وما يرتبط بها من تداعيات النزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، وتنامي التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أبرزت أهمية التنسيق المصري الجزائري في التعامل مع القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل الإفريقي.
كما أكّدت الدكتورة نرمين فايز، أن أهمية هذا التنسيق تتمثّل في إمكانية بناء مقاربات مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وتقليص فرص امتداد الصراعات إلى دول الجوار.
وفي ذات السياق أيضا، أشارت الدكتورة نرمين فايز الى أهمية التنسيق المؤسساتي على المستوى الإقليمي، قائلة ” أن التنسيق بين البلدين داخل المؤسسات الإفريقية والعربية يمكن أن يساهم في بلورة مواقف أكثر تقاربًا تجاه القضايا ذات التأثير المباشر على استقرار المنطقة.”
وأضافت أن الشراكة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة تطابق المواقف في جميع الملفات، وإنما تعني امتلاك القدرة على إدارة الاختلاف، وتحديد مساحات المصالح المشتركة، وتحويلها إلى آليات تعاون قابلة للاستمرار.
نحو نموذج أكثر فاعلية للتكامل المصري الجزائري
وفي سياق التكامل بين الجزائر ومصر، أكّدت الدكتورة نرمين فايز، أن الانتقال بالعلاقات المصرية الجزائرية إلى مستوى أكثر تقدمًا يتطلب العمل على مجموعة من المسارات المتكاملة، أولها توسيع الاستثمارات المشتركة في قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة والدواء، بما يساهم في بناء مصالح اقتصادية طويلة الأمد.
كما دعت إلى تطوير حركة النقل والربط اللوجستي، وتسهيل الإجراءات التجارية والجمركية، بما يقلّل تكلفة انتقال السلع والخدمات، إلى جانب تعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي، وتبادل الخبرات في مجالات التحوّل الرقمي والتعليم والبحث العلمي، باعتبار أن بناء القدرات البشرية يمثّل أحد الشروط الأساسية لاستدامة التكامل.
وفي سياق ذاته، شدّدت الدكتورة نرمين فايز، على أهمية تطوير التنسيق السياسي والأمني بشأن الأزمات الإقليمية، مع إعطاء مساحة أكبر للدبلوماسية الوقائية والتعاون المؤسسي، فضلًا عن توسيع نطاق التعاون ليشمل شراكات إفريقية أوسع، موضّحة في هذا الشأن بالقول” أهمية توسيع نطاق التعاون ضروري حتى لا تظل العلاقات الثنائية محصورة في المصالح المباشرة، وإنما تصبح مدخلًا لدعم مشروعات التكامل القاري.”
من التقارب السياسي إلى الشراكة و التكامل
وفي ختام مداخلتها، أكّدت الدكتورة نرمين فايز على أن أهمية التكامل الإقليمي الإفريقي في مواجهة التحوّلات الدولية لا تكمن في مجرد زيادة حجم التعاون بين الدول، وإنما في بناء قدرة حقيقية على التأثير في طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية المحيطة بها.
وأبرزت أن التعاون المصري الجزائري يمثّل فرصة لدراسة إمكانات الشراكة التي تجمع بين المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي والتعاون الأمني، شريطة أن ينتقل هذا التعاون من مستوى التفاهمات والاتفاقيات إلى مستوى التنفيذ والنتائج القابلة للقياس.
وأضافت قائلة ” أن القارة الإفريقية اليوم لا تحتاج فقط إلى مزيد من الاتفاقيات، بل تحتاج إلى تحويل ما تمتلكه من إمكانات إلى مصالح مشتركة ومشروعات منتجة ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات.”
وخلصت إلى أن مستقبل الشراكة المصرية الجزائرية يتوقّف على مدى قدرتها على الانتقال من التقارب التقليدي إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد، يجعل من المصالح المشتركة أساسًا للتعامل مع التحولات الدولية، ويمنح الدولتين مساحة أوسع للمشاركة في صياغة مستقبل القارة الإفريقية.
مهدي الباز



