تشهد “الحرب” كظاهرة اجتماعية تحولًا في فلسفتها، إذ أصبحت في العصر الراهن أكثر تعقيدًا وخطورة، ولم تعد تقتصر على أشكالها التقليدية المعروفة.
ففي السابق، كان الهدف من الحرب السيطرة على الأرض، أو تدمير بلد، أو استنزاف العدو، أما اليوم، فلم تعد المواجهة بالضرورة بحاجة إلى السلاح أصلًا، إذ يكفي أحيانًا زرع فكرة وتحويلها إلى أداة فاعلة في استهداف الأوطان، وتكريس التبعية والاحتلال.
ولفهم هذا التحوّل في “ظاهرة الحرب”، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالباحثة العراقية المختصة في علم النفس والمهتمة بالقضايا الاستراتيجية والأمنية، الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية، للحديث عن التحولات التي طرأت على الحرب من الناحية السيكولوجية، وكيف يمكن أن تُمارس الحرب الإدراكية، وما الذي يجعل الوعي والعقل جزءًا من ميدان المواجهة في الصراعات المعاصرة.
أكدت الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية في حديثها لـ”شرشال نيوز” أن الحرب اليوم لم تعد تحتاج دائمًا إلى أن تصل إلى العدو أو إلى الخصم بالسلاح، إذ يكفي أحيانًا أن تصل إليه بفكرة.
موضحةً أنه في الماضي كان الهدف العسكري هو “أرض تُحتل، أو منشأة تُدمّر، أو قوة تُستنزف”. أما في بيئة الصراع المعاصرة، فقد أصبح العقل نفسه جزءًا من ميدان المواجهة، من خلال استخدام المعلومات والاتصال والتقنيات الرقمية للتأثير في الإدراك والثقة وصناعة القرار والسلوك.
وتؤكّد الباحثة أن الحرب النفسية الجديدة لا تبدأ بالسؤال: “ماذا تريد أن تفعل؟”، وإنما بالسؤال الأخطر، حسبها: “كيف يمكن أن أجعلك ترى الواقع بطريقة تقودك أنت إلى الفعل الذي أريده؟”.
وترى أن الفاعل قد لا يحاول إقناع الإنسان بكذبة واحدة، بل قد يلجأ إلى إغراقه بالمعلومات، وخلط الحقيقة بالشائعة، وتكرار رواية واحدة بأشكال مختلفة، واستثارة الخوف أو الغضب، وتضخيم الخلافات، وهزّ الثقة بالمؤسسات والمصادر، ليجد الإنسان نفسه أمام واقع مرتبك لا يعرف فيه ماذا يصدق.
وتؤكد أن النتيجة لا تكون دائمًا تصديق الرواية المعادية، إذ يكفي أحيانًا أن يفقد الإنسان ثقته بكل الروايات، وهو ما يمثّل أحد أخطر أوجه التلاعب الإدراكي، عندما يصبح عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والتضليل، أو يفقد الرغبة أصلًا في البحث عن الحقيقة.
وتشير الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية إلى أن بعض المقاربات الحديثة للتهديدات المعلوماتية تؤكد أن الحملات لا تستهدف دائمًا الإقناع المباشر، وإنما قد تستهدف خلق الارتباك وإضعاف الثقة والقدرة على التمييز.
من استهداف السلوك إلى استهداف الإدراك
وتوضّح المختصة في علم النفس أن السلوك هو النهاية، بينما الإدراك هو البداية، فقبل أن يتخذ الإنسان قرارًا، تمرّ العملية عبر سلسلة تبدأ بالمعلومة، ثم التفسير والإدراك والانفعال والقناعة، وصولًا إلى القرار والسلوك.
وفي هذا الصدد، تؤكد الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية أن من يريد التأثير في السلوك لا يحتاج بالضرورة إلى مهاجمة القرار مباشرة، بل يمكنه التأثير في المراحل التي تسبقه، وهو ما يجعل فهم التحيّزات المعرفية والعاطفة والخوف وعدم اليقين والانتماء والهوية جزءًا من دراسة بيئة الصراع الإدراكي.
وتشير إلى أن منشورات حديثة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتي حسبها تصف الحرب المعرفية بأنها استغلال لنقاط الضعف المعرفية بهدف التأثير في تصورات الواقع وصناعة القرار.
أخطر الأسلحة.. أن تجعلك تشك
وترى الباحثة العراقية في حديثها لـ”شرشال نيوز” أن من أخطر أشكال التأثير أن يصل الإنسان إلى مرحلة الإرهاق الفكري، نتيجة تعرضه لكمّ هائل من الرسائل المتناقضة، فيصبح متعبًا من التحقّق، ويتوقّف عن السؤال والمقارنة، ثم يبدأ في تصديق ما يوافق غضبه أو ما تقوله جماعته أو ما تكرّر أمامه أكثر.
وعليه، حسب الباحثة، يتحوّل المواطن من فاعل في البيئة المعلوماتية إلى مجرد مستقبل لها.
المواجهة تبدأ من الوعي
وتؤكد الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية أن المواجهة تبدأ من الوعي، فالمجتمع المحصّن ليس المجتمع الذي لا تصل إليه المعلومات، فهذا مستحيل، بل المجتمع الذي يستطيع أن يسأل: “من أنتج هذه الرواية؟ ولماذا ظهرت الآن؟ وما الدليل عليها؟ وما الذي تحاول أن تجعلني أشعر به؟ وهل تعرض الحقيقة كاملة أم جزءًا منها؟ وهل أبحث عن الحقيقة أم عن معلومة تؤكد ما أؤمن به مسبقًا؟”
وترى أيضًا أن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، وإنما جزء من المناعة المعرفية للمجتمع، لأن مواجهة الحرب النفسية لا تكون دائمًا بإنتاج خطاب مضاد، بل ببناء إنسان يستطيع أن يفكّر قبل أن يتأثّر، ويتحقّق قبل أن يصدّق، ويتأنّى قبل أن يتحوّل انفعاله إلى سلوك.
وتضيف الباحثة أن المعركة في الحروب التقليدية قد يكون هدفها السيطرة على الأرض، أما في الحرب النفسية والمعرفية فقد يصبح الهدف السيطرة على تفسير الإنسان للأرض والأحداث والواقع.
الأمن الفكري جزء من الأمن الوطني
وتؤكّد الباحثة أن الأمن الفكري أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز، وتنهار ثقته، ويتحوّل اختلافه إلى استقطاب، يصبح أكثر هشاشة أمام محاولات التأثير الخارجي والداخلي.
لكن الوعي، حسبها، لا يعني الخوف من كل معلومة، ولا تحويل الاختلاف إلى مؤامرة، ولا إسكات النقد، بل إن العقل الحر القادر على السؤال والمراجعة والبحث والمقارنة يمثّل أحد أقوى خطوط الدفاع أمام التلاعب.
وتخلص الباحثة في علم النفس والقضايا الاستراتيجية إلى أن الحرب النفسية الجديدة لا ينبغي أن تجعلنا نخاف من المعلومات، بل أن نتعلم كيف نقرأها، لأن المعركة لم تعد فقط حول من يملك السلاح، ولا حتى من يملك المعلومة، وإنما من يستطيع التأثير في الطريقة التي نفهم بها المعلومة.
وأضافت أن في ظل تسارع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتضليل المعلوماتي، يصبح الدفاع الحقيقي هو بناء مناعة إدراكية تجعل الإنسان أقل قابلية لأن يُقاد بالخوف، وأكثر قدرة على التمييز، وأشد حرصًا على الحقيقة.
منوهةً إلى أن من يريد تغيير سلوك مجتمع قد يبدأ أولًا بمحاولة تغيير الطريقة التي يرى بها ذلك المجتمع نفسه والعالم من حوله.
مهدي الباز




