لا يحتاج الأدب إلى حجج كثيرة لربطه بالتحولات الاجتماعية والتاريخية لبلد من البلدان. ولعل الأدب الجزائري يقدم نموذجا قيما في هذا الباب. فقد رافق الشعر الجزائري الحياة الثقافية والاجتماعية طيلة قرون معبرا عن طموحات الجزائريين وعن انتمائهم لأرضهم ولتاريخهم رافعا راية المقاومة والجهاد منذ وطئت أقدام المحتلين أرضهم الطاهرة ثم حاملا راية المقاومات الشعبية في مختلف مراحلها. ومنذ بدأت بوادر الحركة الوطنية الحديثة في مطلع عشرينات القرن العشرين وطيلة فترة ما بين الحربي العالميتين الأولى والثانية انبرى الشعر للتعبير عن الوضع الحقيقي للجزائريين مصورا أوضاعهم ومنافحا عن حقوقهم ومعبرا عن آمالهم في الحرية. وإذا كان جيل العشرينيات قد مهدر للثورة فإن هناك جيلا جديدا صنعته الثورة مثل عبد الرحمن بوشامة وأبو القاسم سعد الله ومحمد الصالح باوية وصالح خرفي وأبو القاسم خمار وأحمد عروة وآخرون يشكلون جيلا جديدا صنعته الثورة وساهم فيها ومنهم شهداء ولكنهم لم يكتفوا بذلك بل حاولوا صنع ثورتهم الشعرية فبادروا بالتجديد في الشعر كما عملت الثورة على التجديد في أساليب الكفاح.
وفي قصائد هذه المرحلة نعثر على الشعر الحماسي القوي الذي يمجد الثورة والمواجهة بالسلاح ومنه الشعر الإنساني العميق الذي يتجاوز الحديث عن الثورة المباشرة إلى الحديث عن التحول الإنساني العميق الذي أحدثته الثورة في الإنسان الجزائري. ومن أمثلة الاتجاه الأول قصائد مفدي زكريا الحماسية من مثل قصيدة (هذا نفمبر):
هذا (نفمبر)… قم وحـي المدفعا واذكر جهادك والسنين الأربعا
واقرأ كتابك، للأنام مفصـلا
تقرأ به الدنيا الحديثَ الأروعا
واصدع بثورتك الزمـان وأهله
واقرعْ بدولتك الورى، و(المجمعا)
واعقد لحقك، في الملاحـم ندوة
يقِف الزمان بها خطيبا مصْقعا
وقل: الجزائر! واصغ إن ذكر اسمها تجد الجبابرَ ساجدين وركَّعا
إن الجزائر في الوجــود رسالة الشعب حرَّرها.. وربك وقعا
إن الجزائر قطعة قدسية
في الكون… لحنها الرصاص ووقعا
وقصيدة أزلية، أبياتهـا
حمراءُ… كان لها (نفمبر) مطلعا
ومن أمثلة الاتجاه الثاني شعر محمد الصالح باوية، ومن أشهره قصيدة «الإنسان الكبير»:
قال شعبي يوم وحَّدْنا المصير
أنت إنسان كبير…
يا جراحي
أوقفي التاريخ أنا نبع تاريخ أجدادي
يزرع الكون سلاما وابتساما وبطولات شهيد
من ضلوعي من دمي عبر الجزائر
من خطي طفل جريء يحمل المدفع في أرض الجزائر
يا جراحي …
في دمي كنز السنابل
ينحني شوقا إلى صوت المناجل
ينحني للشمس للفجر إلى خلجة ثائر
ينحني شوقا إلى قبلة طفلي وزغاريد وشاعر
يا جراحي
أوقفي التاريخ أنا حدث ثَـرٌّ، وكون لا يُحدُّ
يغرق التاريخ والكون بجرح يستجدُّ
فبلادي ثورة بكر .. بأرضي بسمائي بكياني تستبدُّ
يا أنا يا ثورتي … يا أغاني طفلتي …
أنا إنسان كبير..
وإلى جانب ذلك ظهرت أشكال شعرية جديدة مثل الأناشيد الوطنية والأهازيج الشعبية التي كانت تتغنى بالثورة وتسجل يوميات المجاهدين وتمجد البطولات وتؤكد على الثبات في المواقف لتحقيق النصر وصيانة الحقوق. وبرز في كتابة الأناشيد مفدي زكريا صاحب النشيد الوطني ونشيد الطلاب واتحاد العمال وأناشيد كثيرة أخرى ومحمد الشبوكي صاحب نشيد «جزائرنا» وأحمد عروة في «نشيد العمال» ومحمود بوزوزو صهحب نشيد «أرض الجزائر يا أمنا» كما ظهرت أناشيد وأهازيج شعبية كثيرة مازالت متداولة حتى الآن منها (زوج ذراري طلوا لجبال) و»واد الشولي» و»حزب الثوار» و»هيلالة هودي يا ذا النو لهيه وصبي في الصحرا» وغيرها كثير.
وغير بعيد عن ذلك ما وقع لدى شعراء اللغة الفرنسية من الجزائريين من أمثال كاتب ياسين ومحمد ديب ومالك حداد والهادي فليسي ومصاور بولنوار وجمال عمراني وآخرين فقد التحوا بالثورة وقدموا رؤى جديدة وإبداعا أدبيا ضمن لهم مكانة رفيعة تنافس الشعراء الفرنكوفونيين في إفريقيا والعالم. وامتد التأثير إلى الكتاب الجزائريين من أصول أوروبية مثل جان سيناك وآنا غريكي وغيرهما فقد التحموا بالثورة الجزائرية وعبروا عن اقتناع وانتماء للتيار الثوري في العالم وأصبحوا جزائريين أدبيا وثقافيا وواصلوا حياتهم الإبداعية والاجتماعية في الجزائر بعد الاستقلال.
الثورة الجزائرية في الشعر العربي
كانت استجابة الشعر العربي للثورة الجزائرية سريعة وحماسية وفيه كثير من الإعجاب والدهشة نظرا للانقطاع الطويل بين الشعراء الجزائريين وزملائهم في العالم العربي نتيجة للحصار الذي ضربه الاحتلال على الجزائر طيلة قرن ويزيد. لكن الجزائر عادت إلى الساحة العربية في وقت عرفت فيه الأمة العربية انتكاسات كثيرة بعد استقلال بعد دولها وخاصة بعد فشل الدول العربية في الدفاع عن فلسطين وفرض مشروع تقسيمها بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا كانت الثورة الجزائرية بارقة أمل للشعوب العربية وهو ما عبر عنه الشعر العربي بقوة وحماس كبيرين. وتقدم لنا الكتب المنشورة عن تلك المرحلة حضوريا قويا للثورة الجزائرية في الشعر التونسي والليبي والفلسطيني والمصري والسوري والعراقي والكويتي والسعودي وغيره تناول الشعراء في قصائدهم الثورة من جوانبها القومية والإنسانية كما عبروا عن تعاطف الجماهير العربية وموقفها الداعم خاصة وأن كثيرا من هؤلاء الشعراء كانوا يتناولون الكلمة في المهرجانات الخطابية الداعمة للثورة. ومن بين الأسماء الشعرية العربية الكبيرة التي أبدعت في ذلك الشعار السوري سليمان العيسى الذي خصص جزء كبيرا من حياته الإبداعية للجزائر وثورتها وقد أصبحت بعض نصوصه تدرس في المدارس الجزائرية غداة الاستقلال ومنها هذه الأبيات:
روعةُ الجرح فوق ما يحملُ اللفظ ، ويقوى عليه إعصارُ شاعرْ
أأغنّي هديرَها، والسماواتُ صلاةٌ لجرحها ، ومجامرْ؟
أأناجي ثوارَها، ودويُّ النار أبياتهم، وعصفُ المخاطرْ؟
بين جنبيَّ عبقةٌ من ثراها ونداءٌ – انّى تَلفّتّ – صاهر
ما عساني أقول ؟ والشاعرُ الرشاشُ ، والمدفع الخطيبُ الهادر
والضحايا الممزّقون ، وشعبٌ صامدٌ كلإله يَلوي المقادرْ
فوق شعري ، وفوق مُعجِزة الألحان هذا الذي تخطُّ الجزائر
ويعتذر للجزائر عن تقصيره لأنه يكتب من بعيد
ألف عذر يا ساحة المجد يا أرضي التي لم أضمها يا جزائرْ
ألف عذر إذا غمست جناحي من بعيد بماحقات الزماجرْ
بيديك المصير فاقتلعي الليل وصوغيه دافق النور باهرْ
ومنهم أيضا الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري الذي نشر قصيدة رائعة عن الثورة مطلعها :
رِدي علقم الموت لا تجزعي ولا ترهبي جمرة المصرع
مخاطبا الجزائر في سموها ورفعتها بوصفها منارة تضيء دُجى المشرق ومقبرة للغاصبين والمتسلطين في العالم:
جزائرُ يا كوكبَ المشرقَيـن دَجا الشرقُ، من كُربةٍ فاطلُعي
جزائر يا جدثَ الغاصبين بوركت في الموت من مربع
ويا نبعةَ الصُّبُرِ للصامـدين لوَتْها الريـــــاحُ ولم تقطعِ
تعاصت فلم تعط من نفسها لنكبة جزعاء من زعزع
مشت لك باريس أم الحقوقِ وحشاً يـدب على أربعِ
تمزق أظفـــاره أمــةً بحــق الحيـاة لهـا تدعــي
ولم يتوقف الشاعر عند تمجيد الثورة بل ذهب إلى كشف ادعاءات فرنسا وزيف ثورتها التي تحمل راية الحقوق في بلادها ولكنها تنتهكها في بلدان الآخرين:
فرنسا! وما أقبح المدعى كِذابـاً، وما أخبـث المدعــي
فداء لمقصـــلة الثائرين مجازر للشــيب والرضع
لك الويل من رائم أُطعمت دم الراضــعين ولم تشبعِ
لك الويل فاجرةً علَّقت صليبَ المسيح على المخدع
تَهدم «بستيل» في موضعٍ تبني «بساتيلَ» في موضعِ
ومن الموضوعات الذي تناولها الشعر العربي الرموز وأسماء الأبطال القريبة من الشعوب العربية لعل أكثر رمز تناوله الشعر العربي هو اسم جميلة، فقد أحصى أحد الباحثين 37 قصيدة عن «جميلة» في الشعر العراقي وحده. فقد اعتقلت هذه المناضلة الجزائرية وحكم عليها بالإعدام وانطلقت حملة دولية لمنع تنفيذ حكم الإعدام ومن خلالها اتسعت الحملة لمناهضة الحرب ونصرة قضية الاستقلال ونالت بذلك حظا وافرا في الصحف والإذاعات. ويذكر شاهد عيان أن الطلبة بسورية نظموا مسيرة إلى الثانوية الفرنسية بمدينة دمشق وقاموا بتحظيم تمثال «جان دارك» وكتبوا اسم جميلة بوحيرد بدلا منه. فالتجنيد الثوري يكون فعالا جدا حينما يقوم على رموز ملموسة.
ومن القصائد الشهيرة أيضا ما كتبه نزار قباني يبدؤها بصورة للمناضلة الرمز وهي في سجنها:
الإسم: جميلةُ بوحَيرَدْ
رقمُ الزنزانةِ: تِسعُونا
في السجن الحربيّ بوَهران
والعمرُ اثنانِ وعشرُونا
عينانِ كقنديلي معبَدْ
والشعرُ العربيُّ الأسوَدْ
كالصيفِ ..
كشلاَّلِ الأحزان
إبريقٌ للماءِ .. وسجَّان
ويدٌ تنضمُّ على القُرآن
وامرأةٌ في ضوء الصبحِ
تسترجع في مثل البوحِ
آياتٍ مُحزنة الإرنان
من سُورةِ مَريمَ والفتَحِ
لكن الشاعر لا يتوقف عند الوصف والتفصيل بل يعمل على نقل الموضوع إلى مستوى الرمز الذي يجعل له معنى يتجاوز اللحظة الزمنية المحدودة وينقله إلى مستوى الرمز التاريخي:
الإسمُ: جميلةُ بوحَيردَ
تاريخٌ: ترويه بلادي
يحفظُهُ بعدي أولادي
تاريخ امرأة من وطني
جلدت مقصلةَ الجلاَّدِ ..
إمرأةٌ دوَّختِ الشمسا
جرحت أبعادَ الأبعادِ ..
ثاثرةٌ من جبل الأطلَس
يذكرها الليلكُ والنرجس
يذكرُها .. زهرُ الكبَّاد ..
ما أصغرَ جان داركَ فرنسا
في جانب جان داركَ بلادي..
وإذا انتقلنا إلى الشعر الفلسطيني نعثر على نوع من المقابلة بين الثورة الجزائرية والوضع الفلسطيني يعبر عنها هذا المقطع من قصيدة للشاعر يحي برزق:
يافلسطين والجراح سخين وظلال الشقاء ملء المحاجر
والشفاه الصفراء ضاق بها الجوع وضمت بساكنيها الحفائر
واجتلى طلعة التحرر والعتق أظاءت على جبين الثائر
وقفي فوق ثغرة النضال وحيي فتية روّعوا الطغاة الجبابر
وأحالوا ليل الجزائر فجرا عربي السنا نديّ الأزاهر
وأعدي للتأثر كل الحناجر والدم الراعف الزكي الفائر
من ثورة الشعر إلى الثورة الثقافية
ولم يتوقف تأثير الثورة على فئة الشعراء الجزائريين بل امتد إلى المثقفين والكتاب الجزائريين على أن معظمهم كان منشغلا بالعمل الثوري والنضالي من أمثال مصطفى لشرف ومالك بن نبي ومراد بوربون ومولود معمري ومحمد الشريف ساحلي ومحمد بودية وآخرين وتوزعت نشاطاتهم بين الكتابة والإبداع والنضال السياسي والثقافي والإعلامي والسجون. لقد أحدثت الثورة هزة قوية في ثقافة الجزائريين الأدبية والسياسية ودفعت بهم إلى جبهة النضال الوطني والعالمي وجعلتهم في واجهة الأحداث العالمية فاتصلوا بالفكر التحرري الثوري في إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا نفسها وامتدت روابط الصلة بينهم وبين المثقفين في العالم.
كما كتب عن الثورة أثناء هذه المرحلة كتاب وأدباء من أصول مختلفة كانت لهم ارتباطات قوية بالجزائر من أمثال المفكر فرانتز فانون ذي الأصول المارتينيكية والذي كان ممارسا للطب النفسي في الجزائر والذي سمح له التحامه بفئات الجزائريين المختلفة بأن يعي أبعاد الثورة وتأثيرها على مرضاه وعلى المجتمع الجزائري وقدم أطروحات عميقة تتعلق بالإنسان المستعمَر في علاقته بالمستعمِر وكيف تتحول علاقة القهر إلى علاقة عنف ثوري. وكان اتصاله بالمجتمع الجزائري بداية وعيه باختلاف الوضع في الجزائر عن بلده الذي سلم بالخضوع للثقافة الفرنسية بينما ظل المجتمع الجزائري مقاوما للهيمنة بأشكال مختلفة مدافعا عن تميزه وخصوصيته رغم القمع المادي والثقافي. وقد نشر مقالات عديدة في مجلة اسبري «Esprit» كما كانت له كتابان يتعلقان بصفة مباشرة بالثورة الجزائرية وبيومياتها: مثل كتابه الشهير «الثورة الجزائرية في عامها الخامس» والكتاب الأشهر «المعذبون في الأرض» الذي قدم له الفيلسوف جان بول سارتر نفسه بمقدمة قوية فاجأت الأوساط الثقافية الفرنسية والعالمية من حيث أنه أيد العنف الثوري الذي اعتمده فانون من اجل تحقيق تحرير المستمرات بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين برر سقوط ضحايا مدنيين أثناء الثورة.
ثورة ثقافية عالمية
في سنة 1955 وفي العام الأول للثورة الجزائرية صدر كتاب «مدارات حزينة» للفيلسوف كلود لوفي ستراوس وقد أحدث ضجة في الأوساط الثقافية والأكاديمية لأنه قدّم الحضارات الأخرى التي توصف بـ»البدائية» على قدم المساواة مع الحضارة الغربية الصناعية وأن التقدّم الصناعي للبلدان المتقدمة رافقه انحطاط إنساني وتدهورت فيها قيمة الإنسان التي مازالت قوية في المجتمعات الأخرى. وقد دعم هذه الضجة ما كان يصدر من كتاب العالم حول ثورات الشعوب المستعمرة وعلى رأسها الثورة الجزائرية. وهكذا تشكلت أجواء جديدة خيمت على الثقافة العالمية غذتها الأحداث والأخبار التي كانت تصل من الجزائر رغم المنع والرقابة التي فرضتها السلطات الفرنسية على كل ما يتعلق بحربها القذرة في الجزائر وأولها كلمة «حرب» نفسها. فلم يكن يسمح باستعمال هذه الكلمة وظلت تسمى «أحداث شمال إفريقيا» ولم يتم الاعتراف رسميا ب «حرب الجزائر» حتى سنة 1999.
لكن قضايا عديدة انفجرت ووجدت صدى لها في الإعلام وفي الأوساط الثقافية على غرار قضية التعذيب» وقضية الاختفاء القسري للمناضلين وقضية عصيان المجندين وقضية «شبكة جونسون» لدعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية وقضية «أحكام الإعدام» على سبيل المثال لا الحصر. وأصبحت هذه القضايا مثار اهتمام الرأي العام الفرنسي والأوروبي وشغلت الرأي العام العالمي. وسرعان ما تشكلت تيارات ثقافية وإعلامية مناهضة للاستعمار منبثقة من المواقف التي أثارتها هذه القضايا. ومن أمثلة ذلك أن عددا من المثقفين الفرنسيين بدؤوا يعبرون عن مواقفهم ضمن نواد وجماعات وعبروا عن مواقف وأصدروا بيانات مؤيدة لحركات التحرر ومناهضة للسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر. وكان لذلك صدى كبير في الصحافة وفي الدوائر الثقافية العالمية بفضل الصمود البطولي للشعر الجزائري والدور الإعلامي الكبير الذي قامت به جبهة التحرير الوطني في المنابر العالمية.
الشعراء والثورة الجزائرية
في هذا المناخ الثقافي المتحرك كان الشعراء الفرنسيون في مقدمة الفئات المثقفة التي استجابت للثورة الجزائرية. وكان تفاعلهم مع الثورة بدرجات متفاوتة من حيث قوة المواقف ومتنوعة من حيث الشكل. منهم من شارك في حركات التضامن الفعلية مع المناضلين الجزائريين وضد التعذيب ومنهم من ساهم في شبكة جانسون لدعم الثورة ومنهم من ساهم بمقالات في الصحف وهناك من اكتفى بالتعبير عن موقفه شعرا. لكن في كل هذه الحالات كان للثورة الجزائرية أثر كبير على حياتهم الإبداعية والنضالية كما كان لمواقفهم تأثير كبير.
فالشاعر أندري بروتون مثلا كانت له سمعة عالمية ولم يتأخر عن المساهمة في بيان 121 مثقفا بل كان من المساهمين في تحريره وكان لموقفه المؤيد للثورة صدى كبير وساهم في تخفيف وطأة المتابعة ضد بعض الموقعين على البيان.
وأما الشاعر الكبير لويس آراغون فكان يستقبل في صالونه عددا كبيرا من الشخصيات من العالم حسب تصريح أحد تلاميذه وهو الشاعر ليونيل راي Lionel Ray وقد استقبل بعض الكتاب الجزائريين الصاعدين آنذاك ومنهم الروائي مالك حداد الذي أشار لذلك اللقاء في رواية «سأهبك غزالة ( Je t’offrirai une Gazelle ).
في ديوانه الذي يروي فيه سيرته الشعرية والحياتية (الرواية التي لم تكتمل Le Roman Inachevée) تظهر الجزائر بملامح واضحة في أحد المشاهد التي يصف فيها أحلام الشخصية الرئيسية في عمله الذي صدر سنة 1956:
Celui que je cherche est ailleurs qu’ici
Au carrefour Montmartre à reluquer des femmes
Ses cheveux sont frisés 11 rêve à l’Algérie
Il fait un carton dans un tir du boulevard
Il s’arrête un instant dans une brasserie
A moins qu’il ne se soit assis dans un Milk-Bar
Pour rouler dans ses doigts la rengaine du gris
Ou bien c’est la kermesse et sa tête de laine
S’appuie à l’appareil qu’il écoute debout
Il a pour la musique un attrait de phalène
Pour lui cette chanson semble être un rendez-vous
Ce qu’il aime cet air qui dit Plaine ma plaine
Et dans ses yeux mi-clos se lèvent des palmiers
Le petit âne a la couleur de la colline
Ma mère avait les yeux plus noirs que les ramiers
L’eau petitement coule où la tuile l’incline
Mon enfance revient dans ses pas coutumiers
Plaine ma plaine où toute lumière est si vive
Qu’elle brûle son ombre étroite à l’olivier
Et la vie a le goût et le feu de l’olive
Ô fellahs c’est ce paysage où vous viviez
En ces temps sans expédition punitive
Plaine ma plaine où le nuage est un passant
Plaine sans pluie un jour où tomba la colère
Et depuis ce jour-là dans le village absent
Monte l’odeur du chaume et des chairs qui brûlèrent
Et la terre altérée appelle un autre sang
ترجمة المقطع:
هذا للذي أبحث عنه موجود في مكان آخر
عند مفترق الطرق مونمارتر يحدق في النساء
مجعّدا شعره يحلم بالجزائر
يحقق نجاحا في الشارع
يتوقف لحظةً في المشرب
ما لم يكن ذلك في بار الحليب Milk-bar
يدوّر اللحن الرمادي العتيق بين أصابعه
أم هو المعرض ورأسه الصوفي
يميل على الجهاز الذي يستمع إليه واقفًا،
ينجذب للموسيقى انجذاب العثة
تبدو له هذه الأغنية بمثابة موعد
كم يحب هذا النغم الذي يقول: سهل سهلي Plaine, Ma plaine
وفي عينيه نصف المغمضتين ترتفع أشجار النخيل
الحمار الصغير له لون التل
كانت عيون أمي أكثر سوادًا من اليمام في الشجر
يتدفق الماء ببطء حيث يميل البلاط
تعود طفولتي بخطواتها المعتادة
سهلي، حيث الضوء ساطع للغاية
حتي يحترق ظله الملتصق بشجرة الزيتون
حيث الحياة لها طعم الزيتون وناره
أيها الفلاحون، هذا هو المشهد الذي تعيشون فيه
في تلك الأوقات التي لم تكن فيها «حملات عقابية»
سهلي سهلي حيث السحابة عابر سبيل
سهل بلا مطر في يوم نزل فيه الغضب
ومنذ ذلك اليوم في القرية الغائبة
ترتفع رائحة القش واللحم المحترق
والأرض العطشى تطالب بدم آخر
هذا المشهد يرتبط مباشرة بالحرب الدائرة منذ دخول المحتل إلى الأرض التي كانت آمنة والتي لم يعد تأتي منها سوى روائح الدم ودخان الحرائق.
الثورة الجزائرية في الرواية مثلت الثورة الجزائرية مصدر إلهام للجيل الأول من الروائيين الجزائريين مثل محمد ديب وكاتب ياسين ومالك حداد والطاهر وطار ومولود معمري وعبد الحميد بن هدوقة وظل تأثيرها كبيرا على الجيل الثاني مثل رشيد بوجدرة ومن جاؤوا بعده. ونجد تأثيرا واضحا للثورة في الإنتاج الروائي العالمي.
من ذلك مثلا في فرنسا ظهر عدد كبير من الكتب التي عالجت قضية عصيان المجندين وتجاري الفارين من المعركة ومثلت اتجاها معارضا في الأدب الفرنسي. وقد أحصت بعض المواقع أكثر من 600 كتابا حول الثورة الجزائرية منها روايات كثيرة كما ظهرت روايات بوليسية تجاوز عددها 61 رواية بوليسية.
وقد اختص أحد الكتاب في كتابة الروايات البوليسية حول الثورة الجزائرية وهو مؤلف من أصل إسباني يكتب باسم مستعار هو ياسف خادير ونشر عدة روايات أبطالها يحملون أسماء جزائرية.
وفي إيطاليا قدم الكاتب فرانشيسكو بيامونتي Francesco Biamonti (1928-2001) راوايات مستوحاة من أحداث حرب التحرير الجزائرية.
الثورة الجزائرية في الفلسفة والنقد
لم يتوقف أثر الثورة الجزائرية على نشاط المثقفين والإعلام وكتابات الشعراء والأدباء بل امتد عميقا في الفكر الإنساني في النصف الثاني من القرن العشرين حيث انتشرت الفكرة المناهضة للاستعمار وانفتحت بذلك آفاق جديدة للدراسات النقدية ونكتفي بذكر بعضها التي كان له أثر بالغ على الفلسفة والتفكير السياسي مثل كتابات فرانتز فانون وإيمي سيزار وألبير ميمي والتي ظهرت لاحقا في أعمال إدوار سعيد وأدت إلى نشوء تيار الدراسات الثقافية مع ستيوارت هال Stuart Hall في بريطانيا ودراسات ما بعد الكولونيالية، في كتابات هومي بابا Homi Bhabha و غاياتري سبيفاك Gayatri Spivak في الهند وغيرهما في إفريقيا وفي قارات أخرى مثل الدراسات الديكولونيالية بأمريكيا الجنوبية.
ومن بين التأثيرات الفكرية أيضا تلك التحولات الجارفة التي أصابت النظريات الفلسفية التي كانت مهيمنة على الفكر لكنها فقدت أسسها مع تطور حركات التحرر ومنها على سبيل المثل ظهور التيارات ما بعد الحداثية التي أحد أعلامها جان فرنسوا ليوتار كان منخرطا مباشرة في الصراع ضد الكولونيالة في الجزائر.
الدكتور عاشور فني




