الأولى الدولي الوطني عاجل
✒️ ياسمين بوعلي

«التطبيع نعمة»عندما تتحول منابر مساجد المغرب إلى منصة لتجميل التطبيع مع الكيان الصهيوني

لم يعد التطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني مجرد اتفاقات سياسية أو لقاءات دبلوماسية تجري في مكاتب المسؤولين، فالمسار الذي اختاره المخزن يبدو أنه يتجه تدريجياً نحو المجتمع، في محاولة لإعادة تقديم التطبيع للمغاربة بصورة مختلفة، وصولاً إلى الخطاب الديني ومنابر المساجد التي يفترض أن تكون فضاءً للقيم والمبادئ الاسلامية.
وفي هذا السياق، أثار مقطع فيديو متداول من داخل مسجد مغربي جدلاً واسعاً، يظهر خلاله إمام وهو يلقي خطبة أمام المصلين، في وقت رافقت الفيديو عبارة «حسبنا الله ونعم الوكيل»، في تعبير عن حالة الغضب والرفض التي أثارها مضمون التسجيل لدى ناشريه.
لكن العبارة الأكثر إثارة للجدل في الفيديو هي ما نُسب إلى الإمام من تقديم التطبيع باعتباره «نعمة من عند الله»، وهو طرح يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود توظيف الخطاب الديني في تبرير خيارات سياسية، وحول محاولة نقل التطبيع من دوائر السياسة والدبلوماسية إلى وعي المواطن المغربي.
عندما يدخل التطبيع إلى المنبر
الخطير في المشهد ليس فقط الحديث عن التطبيع، وإنما الطريقة التي يُقدَّم بها.
فحين ينتقل ملف سياسي شديد الحساسية إلى المنبر، فإن الرسالة لا تعود موجهة إلى متابع لخطاب سياسي أو تصريح دبلوماسي، وإنما إلى مصلين داخل مسجد، حيث يفترض أن يكون الخطاب قائماً على القيم الدينية ومبادئ العدل ونصرة المظلوم ورفض الظلم.
ومن هنا يطرح سؤالاً مباشرا هل انتقل التطبيع من كونه قراراً سياسياً للمخزن إلى محاولة تحويله إلى خيار مقبول داخل المجتمع؟
من التطبيع السياسي إلى تطبيع الوعي
التطبيع في صورته الأولى كان قراراً سياسياً ودبلوماسياً، ثم توسع إلى مجالات اقتصادية وسياحية وأمنية وعسكرية، لكن الأخطر هو أن يصل إلى مستوى الوعي الشعبي.
فالمواطن الذي كان ينظر إلى العلاقة مع الكيان الصهيوني باعتبارها قضية مرتبطة بالاحتلال والقضية الفلسطينية، قد يجد نفسه أمام خطاب يحاول إعادة تعريف هذه العلاقة وتقديمها باعتبارها أمراً إيجابياً، بل «نعمة» وفق ما يظهر في المقطع المتداول.
وهنا تصبح المسألة أكبر من إقامة علاقات بين حكومتين، لأنها تتحول إلى محاولة لتطبيع التطبيع نفسه؛ أي جعل ما كان مرفوضاً بالأمس أمراً عادياً اليوم.
«حسبنا الله ونعم الوكيل».. صرخة في وجه التطبيع؟
لم تكن عبارة «حسبنا الله ونعم الوكيل» التي تصدرت الفيديو تفصيلاً هامشياً.
فناشر المقطع اختارها للتعبير عن موقفه من مضمون الخطبة، وهي عبارة تحمل في الوعي الإسلامي دلالة قوية على اللجوء إلى الله في مواجهة الظلم والعدوان.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح و في الوقت الذي يحاول فيه خطاب التطبيع تقديم العلاقة مع الكيان الصهيوني كخيار طبيعي، تأتي العبارة المرافقة للفيديو لتعكس حجم الصدمة التي أحدثها هذا الخطاب لدى مناهضي التطبيع.
ولا يمكن، بالطبع، اعتبار هذه العبارة دليلاً على موقف جميع المغاربة، لكنها تكشف بوضوح أن التطبيع لا يزال قضية خلافية وحساسة داخل المجتمع المغربي.
أين فلسطين من «نعمة التطبيع»؟
السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى متعلقاً بالقضية الفلسطينية.
فكيف يمكن تقديم التطبيع باعتباره «نعمة»، بينما تظل فلسطين حاضرة بكل ما تحمله من احتلال ومعاناة وتهجير ودمار؟
وكيف يمكن أن يتحول الكيان الصهيوني، الذي ظل لعقود عنواناً للاحتلال في الوعي العربي والإسلامي، إلى طرف طبيعي في علاقات المغرب، ثم يُراد للمواطن أن يتعامل مع هذا التحول باعتباره مكسباً؟
هنا تحديداً تظهر خطورة محاولة تغيير المفاهيم، لأن القضية لم تعد مرتبطة بعلاقات دبلوماسية فقط، وإنما بكيفية إعادة صياغة صورة الكيان الصهيوني داخل وعي المجتمع المغربي

المنبر ليس منصة لتجميل الخيارات السياسية
المنبر الديني يفترض أن يكون مساحة للوعظ والتذكير بالقيم، لا أداة لتسويق خيارات سياسية أو منحها غطاءً دينياً.
وعندما يُستخدم الخطاب الديني في الدفاع عن خيار سياسي، فإن ذلك يضع المواطن أمام معادلة خطيرة: هل يرفض التطبيع باعتباره خياراً سياسياً، أم يُطلب منه قبوله باعتباره خياراً يحمل مشروعية دينية؟
وهنا تتحول الخطبة من مجرد كلام يُقال داخل المسجد إلى جزء من معركة أوسع على الوعي.
المخزن يريد تطبيع التطبيع
بالنسبة إلى منتقدي المسار المغربي، فإن القضية لا تتوقف عند إقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني، وإنما تتعلق بمحاولة تطبيع التطبيع نفسه.
أي تحويل العلاقة من قضية تثير الرفض والاحتجاج إلى واقع عادي، ثم إلى علاقة طبيعية، بل إلى «نعمة» يجري تقديمها للمواطن.
ومن السفارات إلى الاقتصاد، ومن السياحة إلى الإعلام، وصولاً إلى الخطاب الديني، تصبح المسألة محاولة لإحاطة التطبيع بشبكة من الخطابات التي تجعل الاعتراض عليه أكثر صعوبة.
من السفارات إلى المساجد
وبينما يواصل المخزن توسيع علاقاته مع الكيان الصهيوني، يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط داخل مكاتب المسؤولين والسفارات.
المعركة أصبحت أيضاً حول وعي المواطن المغربي.
فالتطبيع لا يكتمل بمجرد توقيع الاتفاقات ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإنما عندما يصبح وجود الكيان الصهيوني وعلاقاته داخل المجتمع أمراً عادياً لا يثير السؤال أو الرفض، .
ولهذا فإن الفيديو المتداول يفتح نقاشاً يتجاوز مضمون خطبة واحدة: هل يحاول المخزن نقل التطبيع من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي والديني؟ وهل أصبح الهدف هو إقناع المغاربة ليس فقط بوجود العلاقة، وإنما بقبولها والتعايش معها؟
فإذا كان التطبيع قد بدأ من مكاتب المسؤولين، فإن أخطر مراحله تبدأ عندما يُراد له أن يصل إلى المنبر، وأن يتحول من قرار سياسي إلى قناعة اجتماعية.
وهنا تحديداً تكمن خطورة العبارة المتداولة في الفيديو: «التطبيع نعمة من عند الله».. لأن المعركة، في هذه الحالة، لم تعد فقط حول العلاقات مع الكيان الصهيوني، وإنما حول من يملك حق تشكيل وعي المجتمع تجاه هذه العلاقات، ان كان الإمام يبدأ خطبته حامدا الله الذي فضل بني اسرائيل على العالمين

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام