تترسخ استراتيجية الجزائر الأمنية والدبلوماسية تجاه منطقة الساحل الإفريقي كنموذج إقليمي يتجاوز الحلول العسكرية التقليدية، ليرتكز على معادلة ثنائية قوامها التأمين الشامل للحدود الشاسعة والتنمية الاقتصادية المستدامة.
وتأتي هذه المقاربة الشاملة لتؤكد حقيقة أثبتتها التطورات الأخيرة، ومفادها أن الفراغ الذي يتركه الحضور الجزائري في المنطقة لا يمكن لأي طرف إقليمي أو دولي أن يسدّه، نظراً لما تتمتع به المقاربة الجزائرية من واقعية وبراغماتية في إدارة الأزمات المعقدة.
وتستند الرؤية الجزائرية لإدارة الأزمات في جوارها الجنوبي إلى تجربة تاريخية وميدانية عميقة، تبلورت منذ تسعينيات القرن الماضي حين أثبتت الأحداث أن مواجهة ظواهر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية بشكل فردي أسلوب أثبت فشله الذريع.
ومن هذا المنطلق، أدركت الجزائر مبكراً ضرورة توفير أرضية أمنية صلبة تمهد لاستقرار اقتصادي يستفيد منه مواطنو المنطقة، بالتوازي مع نقل التجارب الوطنية الناجحة مثل ميثاق السلم والمصالحة الوطنية لإنهاء النزاعات الداخلية ودعم الاستقرار في دول الجوار، لا سيما في مالي والنيجر والتشاد. وتعتمد الجزائر في ذلك على مبادئ راسخة قائمة على التعاون الندي ونهج “رابح – رابح”، بعيداً عن سياسات الإملاءات الخارجية والوصاية الاستعمارية التي عانت منها شعوب الساحل لعقود طويلة.
وترجمت الجزائر هذه السياسة عبر إطلاق ومتابعة مشاريع استراتيجية عابرة للحدود تُشكل النواة الصلبة للاندماج الاقتصادي الإقليمي، وفي مقدمتها مشروع الطريق العابر للصحراء الذي يمثل شرياناً اقتصادياً يربط دول الساحل بالبحر الأبيض المتوسط ويفتح آفاقاً تجارية جديدة لتنمية المناطق الحدودية، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يعزز موقع المنطقة في خارطة الطاقة العالمية ويضمن تدفقات استثمارية وتنموية هامة.
إن التحولات الجيوستراتيجية الراهنة في منطقة الساحل وشمال إفريقيا تفرض ضرورة بناء حد أدنى أمني يحمي هذا الحراك الاقتصادي والدبلوماسي، ويغلق المنافذ أمام محاولات الاختراق الخارجي في المنطقة. ويمثل التعاون المباشر والتنسيق الميداني المتصاعد بين الجزائر وعواصم الساحل فرصة ذهبية لهذه الدول لاستعادة زمام المبادرة لبناء منطقة استقرار ذات سيادة، خالية من التدخلات الأجنبية وتخدم المصالح الحقيقية لشعوبها.
شرف الدين عبد النور




