تنتقل مفاوضات ممر الهيدروجين الجنوبي «SoutH2» إلى ملف التمويل التجاري، مع اجتماع وزاري تعقده الجزائر اليوم الخميس 1 أكتوبر بمشاركة الدول الخمس المرتبطة بالمشروع، في وقت تقدر فيه استثمارات البنية التحتية للممر بنحو أربعة مليارات يورو، إضافة إلى استثمارات منفصلة مطلوبة لإنشاء محطات إنتاج الهيدروجين والطاقة المتجددة والتحلية والتخزين في شمال إفريقيا.
ويشارك في الاجتماع ممثلو الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، فيما وصل وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي جيلبرتو بيكيتو فراتين إلى الجزائر للمشاركة في المباحثات وعقد لقاءات ثنائية مع وزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال.
ويركز الاجتماع على الترتيبات التقنية والمالية والتنظيمية اللازمة لتنفيذ المشروع، بعد استكمال مرحلة الدعم السياسي وإدراج الأجزاء الأوروبية منه ضمن شبكة مشروعات الهيدروجين ذات الأولوية. ويبلغ طول الممر 3300 كيلومتر، ويربط شمال إفريقيا بإيطاليا ثم النمسا وألمانيا، مع اعتماد أكثر من 65% من مساره على خطوط أنابيب قائمة ستتم تهيئتها لنقل الهيدروجين.
وتتجاوز طاقة الاستيراد المقترحة أربعة ملايين طن سنويًا، غير أن المشروع يحتاج قبل الوصول إلى هذه القدرة إلى توفير استثمارات الإنتاج في بلد المنشأ وعقود شراء تضمن وجود طلب أوروبي مستمر. وتظهر بيانات مطوري «SoutH2» أن خطابات الدعم التي جُمعت من المنتجين تغطي نحو 2.5 مليون طن سنويًا فقط، وهو ما يجعل رفع الإنتاج أحد العناصر الرئيسية في المرحلة المقبلة.
ولا تشمل كلفة الممر وحدها جميع الاستثمارات المطلوبة. فإنتاج الهيدروجين المتجدد يتطلب إنشاء قدرات جديدة من الكهرباء الشمسية والريحية، ومحللات كهربائية، ومحطات لتحلية أو معالجة المياه، إضافة إلى تجهيزات الضغط والتخزين والقياس وربط مواقع الإنتاج بالشبكات الدولية.
ويجعل هذا الفصل بين البنية التحتية والإنتاج ملف التمويل أكثر تعقيدًا، إذ يمكن تمويل الأنابيب وفق نماذج خاصة بمشغلي الشبكات، بينما تحتاج مشروعات إنتاج الهيدروجين إلى مستثمرين وعقود بيع مستقلة. ومن ثم، ترتبط الجدوى الاقتصادية للمشروع بالسعر النهائي للهيدروجين عند وصوله إلى المستهلك الأوروبي مقارنة بالبدائل الطاقوية الأخرى.
ويتولى أربعة مشغلين أوروبيين تطوير العمود الفقري للمشروع، هم Snam وTAG وGas Connect Austria وbayernets. ويبلغ طول الجزء الإيطالي نحو 2300 كيلومتر، بطاقة تصل إلى 448 غيغاواط/ساعة يوميًا، مع إعادة استخدام نحو 60% من البنية القائمة، فيما حصل هذا الجزء على 24 مليون يورو من التمويل الأوروبي خلال 2025 لتغطية دراسات الجدوى والأنشطة الميدانية ومحطات الضغط.
ولا يغطي هذا التمويل تكلفة الإنشاء الكاملة، ما يجعل قرارات الاستثمار النهائية مرتبطة بنتائج الدراسات وقدرة المشغلين على إثبات وجود إمدادات ومشترين كافيين لتشغيل الشبكة بمعدلات تسمح باسترداد رأس المال.
وفي الجانب الجزائري، تمثل الكهرباء المتجددة أحد المدخلات الرئيسية لمشروعات الهيدروجين المستقبلية. وتستهدف الجزائر إنتاج 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035، بينما يشمل البرنامج الجاري تنفيذه قدرة أولية تبلغ 3200 ميغاواط، وفق وزارة الطاقة والطاقات المتجددة.
كما يتطلب رفع إنتاج الهيدروجين استثمارات موازية في المياه، خصوصًا في المناطق التي ستقام فيها المحللات الكهربائية، إضافة إلى شبكات الكهرباء والمنشآت الصناعية اللازمة لربط الإنتاج بممر التصدير.
ويأتي الاجتماع بعد سلسلة من الاتفاقات بين الشركات والحكومات. ففي أكتوبر 2024، وقعت سوناطراك وسونلغاز مع VNG وSnam وSeaCorridor وVerbund Green Hydrogen مذكرة تفاهم لدراسة سلسلة إنتاج الهيدروجين في الجزائر ونقله إلى أوروبا، قبل توقيع إعلان سياسي بين الدول الخمس في جانفي 2025 لدعم تطوير الممر.
وتتطلب المرحلة الحالية تحويل نتائج الدراسات إلى مشروعات استثمارية قابلة للتمويل، مع تحديد الطاقة الإنتاجية لكل مشروع وتكلفة الهيدروجين وموقع الربط بالشبكة وجدول التشغيل. كما تحتاج البنوك والمستثمرون إلى عقود شراء طويلة الأجل أو ضمانات مماثلة لتقليص المخاطر المرتبطة بالسوق.
وتتمثل إحدى القضايا الأساسية في الفارق بين طاقة الممر والكميات المعلنة من المنتجين. فمع قدرة تتجاوز أربعة ملايين طن سنويًا وخطابات دعم بنحو 2.5 مليون طن، توجد طاقة غير مغطاة تقارب 1.5 مليون طن، ما يعني أن تشغيل الشبكة بكامل قدرتها يتطلب استثمارات إنتاج إضافية.
وفي المقابل، يحتاج المنتجون إلى تأمين مشترين في القطاعات الأوروبية ذات الاستهلاك المرتفع للطاقة، ولا سيما الصناعات الكيميائية والأسمدة والتكرير والصلب والنقل الثقيل. وقد حدد مطورو المشروع تجمعات صناعية في إيطاليا والنمسا وألمانيا باعتبارها الأسواق الرئيسية المستهدفة للهيدروجين القادم من شمال إفريقيا.
كما تشمل المفاوضات الجانب التنظيمي، بما في ذلك شهادات منشأ الهيدروجين المتجدد، ورسوم استخدام شبكات النقل، والقياس، وقواعد العبور بين الدول، وآليات احتساب الانبعاثات. وتؤثر هذه المعايير مباشرة في السعر النهائي وفي قدرة المنتجين على الاستفادة من الطلب الأوروبي المخصص للهيدروجين منخفض الانبعاثات.
ومن المنتظر أن تتحدد الخطوة التالية للمشروع وفق ما يتم الاتفاق عليه بشأن التمويل والكميات وعقود الشراء وجدول تحويل الشبكات. ويستهدف «SoutH2» بدء التشغيل في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، لكن بلوغ هذا الموعد يرتبط باتخاذ قرارات الاستثمار في السنوات المقبلة حتى تتزامن جاهزية البنية الأوروبية مع دخول قدرات الإنتاج في شمال إفريقيا إلى الخدمة.
وعليه، يمثل اجتماع الجزائر محطة للانتقال من تصميم الممر إلى إعداد شروطه التجارية، في ظل حاجة المشروع إلى تمويل بنية نقل بمليارات اليورو وتأمين إنتاج يفوق أربعة ملايين طن سنويًا وربطه بعقود طلب صناعي طويلة الأجل. وستحدد هذه العناصر، أكثر من الإعلانات السياسية، الجدول الفعلي لتنفيذ «SoutH2» وحجم الاستثمارات التي ستدخل مرحلة الإنجاز في الجزائر وبقية الدول المشاركة.
وردة جزائري




