الأولى الوطني تحاليل وآراء

الدبلوماسية الجزائرية تجدد التزامها بميثاق الأمم المتحدة في ذكرى انضمامها للمنظمة

أحيت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، الخميس، اليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية (08أكتوبر 1962-2026)، تزامنًا مع الذكرى الـ81 لتأسيس هيئة الأمم المتحدة.
وجرت المراسم تحت شعار “التزام مشترك في خدمة السلام والتنمية المستدامة وتعددية أطراف متجددة”، الذي كان محمّلًا بدلالات تتجاوز الصياغة الدبلوماسية.
فكلمة “مشترك” تقرّ بصريح العبارة، أن الإصلاح مسؤولية جماعية لا تتحملها دولة بمفردها، وربط السلام بالتنمية يعكس مقاربة جزائرية معروفة، وهي أن الأمن لا يُبنى بمعزل عن شروطه الاقتصادية والاجتماعية، أما عبارة “تعددية أطراف متجددة” فتتجنب رفض المنظومة القائمة، وتدعو بدلًا من ذلك إلى إصلاحها من داخلها.
ويؤكد هذا الاحتفال المزدوج التزام الجزائر وسياستها الخارجية بمبادئ الأمم المتحدة، الضامنة لحرية الأمم وحماية الأمن والسلم الدوليين.
كما شكّل وقفة استراتيجية عكست الترابط العضوي بين نشأة الدبلوماسية الجزائرية الفتية غداة الاستقلال ومبادئ الميثاق الأممي، في لحظة فارقة تتزامن مع النقاش العام للدورة الـ81 للجمعية العامة، حيث يمرّ النظام الدولي بمخاض عسير أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول جدوى المنظومة متعددة الأطراف وفاعليتها.
من منطق القوة إلى سيادة القانون الدولي
تكتسب هذه الذكرى عمقها بالعودة إلى الجذور التأسيسية للمنظمة، فقبل صياغة الميثاق، كانت التفاعلات الدولية أسيرة منطق الهيمنة وتوازن القوى المجرد، وهو الفراغ المؤسسي والأخلاقي الذي عجزت عصبة الأمم عن احتوائه، فانتهى العالم إلى كارثة الحرب العالمية الثانية.
فجاء تأسيس الأمم المتحدة كضرورة تاريخية لتأطير العمل الدولي، عبر تنظيم فوق قومي يمنع الفوضى، ويجعل من الدولة الفاعل المحوري ذا السيادة الكاملة، ويحظر استخدام القوة أو التهديد بها، ويكرّس التسوية السلمية للنزاعات سبيلًا للحفاظ على الأمن الجماعي.
وبالنسبة للجزائر، مثّل انضمامها في 8 أكتوبر 1962 تتويجًا لنضال تحرري استند إلى مبدأ أصيل في الميثاق، هو حق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادتها على أرضها وخياراتها السياسية والاقتصادية.
قراءة جزائرية لواقع العلاقات الدولية
في كلمته بالمناسبة، أكد وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، أن منظومة العلاقات الدولية تواجه أزمة عميقة، في ظل تنامي التحديات التي تمسّ دور الأمم المتحدة واحترام القانون الدولي والعمل متعدد الأطراف. وبدا هذا التشخيص صريحًا ودقيقًا، إذ توقف عند الأزمة البنيوية التي يعيشها العمل متعدد الأطراف، وهو ما يعرف أيضا، بالدبلوماسية متعددة الأطراف.
وشدد عطاف على التراجع الحاد في احترام القانون الدولي وعلى المحاولات المتواصلة لتهميش الأمم المتحدة، واصفًا المنظمة بأنها “إنجاز حضاري للبشرية جمعاء” لا يمكن التفريط فيه، لأنها قمة ما بلغه الفكر السياسي الإنساني لتفادي إزهاق الأرواح والدمار الناجمين عن صدام المصالح وتنازع القوى الدولية.
كما دعا إلى وحدة المعايير في تطبيق الشرعية الدولية، قائلًا: “إما أن تكون الشرعية الدولية واحدة، أو لا تكون”، رافضًا الانتقائية في تطبيق القرارات الأممية، ومؤكدًا أن الأمن مشروط بالعدالة، وأن الاستقرار لا ينفصل عن الشرعية.
ثبات البوصلة.. تقرير المصير وحماية السيادة
أكدت كلمة الوزير ثبات الدبلوماسية الجزائرية على الشرعية الدولية في القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فقد جدد عطاف الدعم الكامل وغير المشروط للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، مدينًا آلة الإبادة في غزة والضفة الغربية، وداعيًا المجموعة الدولية إلى وقفة جادة في وجهها.
وفي قضية الصحراء الغربية، أبرز عطاف أن الجزائر منخرطة في مسار يرمي إلى الإسهام في بلورة حل سياسي دائم وعادل، انطلاقًا من قناعتها بأنها قضية تصفية استعمار لم تكتمل، وبأن الشعب الصحراوي يتمتع بحق أصيل وغير قابل للتصرف في تقرير المصير.
كما تناول الوزير مختلف الأزمات الإقليمية والعربية، مشددًا على وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها في الخليج ولبنان وسوريا وليبيا والسودان والصومال واليمن، مع تغليب الحوار وحسن الجوار.
الساحل والاندماج الإفريقي
امتدت الكلمة إلى العمق الاستراتيجي للجزائر في منطقة الساحل، حيث ترى الجزائر أن معالجة الأزمات تقتضي تفكيك جذورها الاقتصادية والاجتماعية، في ظل الاحترام الصارم لسيادة الدول واستقلالها الوطني.
وتشمل المقاربة الجزائرية مشاريع للاندماج الهيكلي، تجسّدت ميدانيًا في دعم قدرات الطاقة، واستكمال الطريق العابر للصحراء، ومشروع الألياف البصرية مع النيجر، إضافة إلى أنبوب الغاز العابر للصحراء كرافعة للتكامل الإقليمي والقاري.
وأوضح عطاف أن التنمية ليست مجرد نتيجة للسلام، بل هي شرطه الأساسي وأحد أركانه الثابتة.
الدفاع عن التعددية كمعادلة اصلاحية
تؤكد هذه المناسبة أن تمسك الجزائر بالمرجعية الأممية ليس خيارًا ظرفيًا، بل عقيدة دبلوماسية ترسخت منذ انضمامها إلى المنظمة، التي تمثل الضامن الأساسي لاستقرار النظام الدولي، في زمن تتصاعد فيه النزعات ويتراجع الالتزام بالقواعد الدولية ويعلو منطق القوة على الحوار و لغة الميثاق الأممي.
وهو يوم ليس احتفالًا بروتوكوليًا فحسب، بل مناسبة تواصل فيها الدبلوماسية الجزائرية تموقعها كصوت يدعو إلى إعادة الاتزان، وبناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافًا، واستعادة الروح الحقيقية لميثاق الأمم المتحدة.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام