ينقل مشروع قانون المالية 2027 جزءًا من العبء الجبائي بعيدًا عن السنوات الأولى لبعض المشاريع، خصوصًا في المناجم، لكنه يشدد في المقابل الرقابة عندما يبدأ الاستثمار في توليد الإيرادات وتوزيع الأرباح. وبين خصم نفقات الاستكشاف على عشر سنوات، وتجميع إجراءات المستثمر لدى الشباك الوحيد، وإقرار كشوف رقمية للأرباح والعقود والفواتير، يرسم المشروع معادلة تقوم على تسهيل الدخول إلى النشاط مقابل توسيع قابلية تتبع الأموال بعد انطلاقه.
وتكشف المقتطفات التي اطلعت عليها شرشال نيوز أن هذا الاتجاه يظهر بوضوح في معالجة النشاط المنجمي، وهو من القطاعات التي تتطلب إنفاقًا أوليًا مرتفعًا قبل أن تبدأ مرحلة الإنتاج التجاري.
فالمادة 10 تسمح للمؤسسة باختيار خصم نفقات التنقيب والاستكشاف، بعد اعتمادها من الوكالة المنجمية المختصة، في السنة التي تحملت فيها المصاريف، أو توزيعها بأقساط متساوية على عشر سنوات ابتداءً من أول سنة للاستغلال.
ويغير هذا الخيار توقيت الأثر الجبائي للاستثمار، لأن الشركة لا تضطر إلى حصر كامل تكلفة البحث في السنة السابقة للإنتاج، بل يمكنها ربطها تدريجيًا بالعائد الذي يولده المنجم بعد دخوله الخدمة.
وإذا كانت مدة الاستغلال المتوقعة تقل عن عشر سنوات، يقصر الخصم على الفترة المتبقية، مع حظر أي ازدواج في احتساب المصاريف. ولا يأتي هذا التيسير منفردًا؛ إذ يربطه المشروع بنظام أكثر ضبطًا للمؤونات والالتزامات المستقبلية للمنجم.
فتحدد مؤونة إعادة تكوين المكامن في حدود 10% من الربح الخاضع للضريبة قبل خصمها، وإذا لم تستخدم المبالغ المخصصة لها يعاد إدراجها ضمن النتائج في السنة المالية الرابعة التالية، مع زيادة ضريبية بنسبة 25% على الربح الموافق.
كما يقترح المشروع اقتطاع مؤونة لإعادة تأهيل المواقع تعادل 1% من وعاء الإتاوة المنجمية وإيداعها في حساب محجوز لدى الخزينة، بما يجعل كلفة إعادة الموقع جزءًا من الحساب المالي منذ سنوات التشغيل، لا التزامًا مؤجلًا إلى نهاية الاستغلال.
وتترافق هذه المرونة مع زيادة بعض حقوق الدولة المرتبطة باستغلال المورد. فحق المنح الأول لترخيص الاستكشاف يرتفع من 40 ألفًا إلى 70 ألف دينار، فيما ينتقل حق ترخيص استغلال المناجم من 75 ألفًا إلى 130 ألف دينار.
كما ترتفع الإتاوة على المواد الوقودية الصلبة والمعادن الفلزية الحديدية من 1.5% إلى 2%، وعلى المعادن الفلزية غير الحديدية من 2% إلى 2.5%.
وبذلك لا يقدم مشروع القانون تخفيضًا عامًا لجباية المناجم، وإنما يعيد توزيع العبء بين مرحلة البحث والاستكشاف ومرحلة الاستغلال التجاري، بما يتماشى مع القانون المنجمي الجديد الصادر في أوت 2025.
*المستثمر أمام مسار إداري أقصر*
ويظهر الاتجاه نفسه خارج قطاع المناجم، لكن من زاوية الإجراءات. فالمادة 15 تقترح نقل مجموعة من المعاملات الجبائية إلى الشباك الوحيد الوطني للاستثمار، بما يسمح للمستثمر بإنجاز التصريح بالوجود وطلب رقم التعريف الجبائي والحصول على تراخيص شراء السلع والخدمات المعفاة من الرسم على القيمة المضافة من خلال نقطة واحدة.
كما يشمل ذلك دفع حق الطابع البالغ 4000 دينار المتعلق بفتح السجل التجاري أو تعديله، إضافة إلى عدد من التصريحات والتراخيص المهنية. ويمثل هذا الترتيب محاولة لاختصار الحلقة الإدارية السابقة لبداية المشروع، خصوصًا بالنسبة للاستثمارات المستفيدة من الامتيازات، حيث كان استكمال الملفات يتطلب التعامل مع عدة جهات.
أما تجمعات الشركات، فيقترح المشروع منحها وضعًا جبائيًا أكثر وضوحًا من خلال التصريح بالوجود في مكان إنجاز المشروع، وإرفاق الملف بعقد التجمع والسجلات وبيانات المؤسسات الأعضاء.
ويتيح ذلك للإدارة متابعة المشروع المشترك مع الحفاظ على توزيع النتائج الجبائية لاحقًا بين الشركات المكونة له.
*عندما يبدأ العائد.. ترتفع متطلبات الإفصاح*
وبمجرد الانتقال من مرحلة الاستثمار إلى مرحلة تحقيق الأرباح، يتغير اتجاه المشروع بوضوح. فالمادة 12 تقترح كشفًا إلكترونيًا سنويًا للمداخيل الموزعة، لا يكتفي بإجمالي الأرباح، بل يحدد المستفيدين والحصص والمبالغ وتواريخ الدفع والاقتطاعات والحسابات التي استقبلت التحويلات.
ويتعين إيداع الكشف قبل 30 سبتمبر من كل سنة، حتى عندما لا تسجل المؤسسة أي توزيع. وتمنح هذه القاعدة الإدارة رؤية أدق لكيفية انتقال الأرباح من الشركة إلى أصحابها، مع إمكانية مقارنة البيانات بين الطرف الذي دفع والطرف الذي حصل على المداخيل.
ويظهر المنطق نفسه في المادة 13 الخاصة بعقود المؤسسات الأجنبية غير المقيمة. فالتصريح السنوي المقترح يحدد قيمة العقد، وطبيعة النشاط، ومكان التنفيذ، والمداخيل السنوية، ثم يفصل الجزء الذي يعود إلى المنشأة الدائمة داخل الجزائر عن الجزء المرتبط بالمقر الاجتماعي في الخارج.
ويتيح ذلك متابعة أكثر دقة لتوزيع العائدات في العقود الدولية، خصوصًا عندما يكون التنفيذ داخل الجزائر بينما تتوزع المدفوعات بين أكثر من كيان. ويمتد الإفصاح إلى الدورة التجارية اليومية من خلال المادة 16، التي تقترح كشوفًا شهرية رقمية للزبائن والفواتير وقيم المبيعات والرسم على القيمة المضافة.
ومع ربط هذه المعلومات بنظام «جبايتك»، تصبح الإدارة قادرة على الانتقال من مراجعة تصريح المؤسسة بصورة منفصلة إلى مطابقة بيانات البيع والشراء بين أطراف الصفقة نفسها. وهكذا يرتسم في المشروع خط واضح: كلما اقترب النشاط من مرحلة تحقيق الإيرادات وتحويل الأموال، زادت كثافة البيانات المطلوبة عنه.
*ضرائب انتقائية بدل زيادات عامة*
وفي الوقت نفسه، لا يتجه مشروع القانون، وفق المواد المعروضة، إلى زيادة ضريبية عامة على الأسر أو أجور العمال. فالتعديل الأبرز خارج الأنشطة الاستثمارية يتعلق بإضافة إنتاج الجعة الكحولية واستيرادها إلى الأنشطة الخاضعة لضريبة إضافية بنسبة 20% على الأرباح.
وتطبق النسبة على الوعاء نفسه المعتمد في الضريبة على أرباح الشركات، وليس على رقم الأعمال، بما يحصر الإجراء في الربح المحقق. وفي المقابل، يعيد المشروع تصميم الحافز الجبائي للتبرعات ذات الطابع الإنساني، إذ يستبدل السقف السنوي الثابت البالغ أربعة ملايين دينار بسقف يعادل 1% من رقم الأعمال.
وهذا يجعل قيمة الخصم ترتفع مع حجم المؤسسة بدل تطبيق حد موحد على جميع الشركات. وتشمل المقتطفات كذلك حذف إحالات وأحكام جبائية قديمة، من بينها ترتيبات انتقالية تعود إلى سنة 1992، من دون أن تتضمن في المواد المعروضة معدل اقتطاع جديدًا على رواتب العمال.
ويأتي ذلك بعد توجيه مجلس الوزراء بعدم إدراج ضرائب تمس القدرة الشرائية، بالتزامن مع تضمين مشروع 2027 زيادات في الأجور والرواتب. وبهذه الصورة، لا يقوم المشروع على اتجاه واحد نحو التشديد أو التخفيف، بل على إعادة توزيع الالتزامات وفق مرحلة النشاط الاقتصادي.
ففي البداية، يحصل المستثمر على مسار إداري أكثر تركيزًا، وتمنح مشاريع المناجم مرونة في استيعاب تكلفة الاستكشاف. وعندما يبدأ النشاط في توليد العائد، تتوسع متطلبات الإفصاح عن الأرباح والعقود والفواتير والتحويلات.
وإذا اعتمدت هذه الصيغة نهائيًا، فإن قانون المالية 2027 سيؤسس لمعادلة مختلفة في العلاقة مع المؤسسة: تسهيل أكبر في الوصول إلى الاستثمار، مقابل شفافية أعلى في الطريقة التي تتحول بها المشاريع لاحقًا إلى إيرادات وأرباح وتدفقات مالية.
وردة جزائري




