يفتح إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته وتولي الولايات المتحدة إدارة فنزويلا مؤقتا فصلا جديدا في السياسة الخارجية الأمريكية، عنوانه الأبرز الانتقال من الضغط السياسي والعقوبات إلى التدخل المباشر وتحمّل مسؤولية دولة تعاني من انهيار اقتصادي واضطراب سياسي عميق.
ويحمل هذا التحول دلالات تتجاوز الحدث العسكري نفسه، إذ يعكس قطيعة واضحة مع الخطاب الذي رافق صعود ترامب إلى السلطة، حين جعل من رفض الحروب الطويلة وتغيير الأنظمة في الخارج أحد مرتكزات حملته، قبل أن يجد نفسه اليوم في قلب مشروع شديد التعقيد يقوم على إدارة بلد بأكمله وإعادة رسم مساره السياسي والاقتصادي.
ويبدو أن الرهان الأمريكي يقوم على فرضية مفادها أن إسقاط رأس النظام كفيل بفتح الطريق أمام إعادة بناء سريعة، مدعومة بالشركات الأمريكية، خاصة في قطاع الطاقة، غير أن التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا تشير إلى أن مرحلة ما بعد إسقاط السلطة غالبا ما تكون أكثر كلفة وخطورة من العملية العسكرية نفسها.
وتكمن الإشكالية الأساسية في غموض مفهوم “إدارة البلاد” الذي تحدث عنه ترامب، إذ لا تتضح بعد حدود الدور الأمريكي ولا مدته، ولا طبيعة الشراكة مع الفاعلين الفنزويليين، في سياق اجتماعي وسياسي منقسم، واقتصاد شبه منهار، ومؤسسات فقدت جزءً كبيرا من فعاليتها.
كما يطرح احتمال نشر قوات أمريكية على الأرض تساؤلات إضافية حول مدى استعداد واشنطن لتحمّل كلفة بشرية وسياسية طويلة الأمد، خاصة في ظل معارضة داخلية أمريكية تاريخية لمشاريع “بناء الدول”، وتوجس إقليمي ودولي من سابقة جديدة في أمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب المتفائلة أقرب إلى خطاب سياسي يهدف إلى تسويق القرار داخليا، أكثر من كونها تعبيرا عن إدراك كامل لتعقيدات الواقع الفنزويلي، حيث لا يكفي استبدال القيادة لإعادة الاستقرار أو إنعاش الاقتصاد دون توافق وطني واسع ومؤسسات شرعية قادرة على الحكم.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة المقولة الشهيرة لكولن باول، التي تحذر من أن إسقاط نظام ما يعني تلقائيا تحمّل مسؤولية ما بعده، وهي مسؤولية قد تتحول من فرصة سياسية إلى عبء استراتيجي، إذا لم تُدار بحذر وتوازن، وبعيدا عن منطق القوة وحده.
وعليه، تقف الولايات المتحدة اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في قدرتها على التأثير في فنزويلا، بل في مدى انسجام سياساتها مع شعاراتها، وفي قدرتها على تجنب تكرار سيناريوهات التدخل التي تركت وراءها دولا منهكة وأزمات ممتدة.




