بات مصطلح المؤسسات الناشئة Startup من أكثر المصطلحات رواجا في الوقت الراهن، لدرجة أن البعض أصبح يعتبرها القاطرة التي تقود الاقتصاد العالمي، وفي اطار مساعي الجزائر لتطوير اقتصادها أكّدت أن تطوير نظام بيئي ملائم لإنشاء ودعم المؤسسات الناشئة أمر في غاية الأهمية في مسار الانتقال بالاقتصاد الجزائري من النظام الريعي إلى نموذج يعتمد على قطاعات منتجة أخرى وعلى اقتصاد المعرفة، وفي هذا السياق تحتضن الجزائر على امتداد يومين أشغال المؤتمر الإفريقي الأول للمؤسسات الناشئة، لبحث سبل تكريس دور المؤسسات الناشئة الإفريقية في التنمية الاقتصادية المستدامة.
انطلقت الاثنين بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال بالجزائر، أشغال المؤتمر الإفريقي الأول للمؤسسات الناشئة، تحت الرعاية السامية للرئيس عبد المجيد تبون، لبحث سبل تكريس دور المؤسسات الناشئة الإفريقية في التنمية الاقتصادية المستدامة.
و يعرف المؤتمر مشاركة أكثر من 600 مؤسسة ناشئة، وعدد من ممثلي الحكومة و سفراء عدة دول افريقية و ممثلي مختلف المؤسسات و المنظمات المهنية، الى جانب مشاركة مسؤولين ووزراء وخبراء في مجال الابتكار والمقاولاتية من عدة دول افريقية.
“خارطة طريق افريقية ” على رأس أجندة الملتقى
تتضمن أجندة الملتقى انعقاد اجتماع للوزراء الأفارقة ذي الصلة بمجال الابتكار والشركات الناشئة، والذي سيسمح بالخروج ب”خارطة طريق افريقية” من شأنها التأسيس لديناميكية تعاون بين النظم البيئية للابتكار داخل القارة، ويرمي المؤتمر، المنظم من طرف وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، إلى توحيد الجهود الحكومية قصد تعزيز دور الشركات الناشئة في إفريقيا، وتكريس مساهمتها في التنمية الاقتصادية عبر تسهيل انتشار الشركات الناشئة وولوجها إلى مصادر تمويل إقليمية.
الرئيس تبون…المؤسسات الناشئة حل فعال لمواجهة البطالة وهجرة الكفاءات
حملت كلمة الرئيس تبون والتي ألقاها نيابة عنه الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمان عرضا شاملا لهذا النوع من المؤسسات التي انتشرت في العالم وصارت تقود الاقتصاد العالمي بأرقام خيالية .
كلمة الرئيس جاء فيها أن ” التوجه نحو ريادة الأعمال و تشجيع الابتكار” يعد من أهم الحلول لمعالجة اشكالية التشغيل وحل فعال في مواجهة البطالة . كما أكدت كلمته على دور الابتكار في النهوض باقتصاديات إفريقيا ، ومن ثم كشفت الكلمة أن القارة السمراء تسجل معدلات عالية في نسب الفئات الشبابية مقابل نسب بطالة مرتفعة أيضا ” و هو ما يجعل التوجه نحو ريادة الأعمال المرتكزة على الابتكار “أولوية ملحة لمعالجة اشكالية التشغيل و التفكير في سياسات عامة داعمة للشركات الناشئة، و أضاف رئيس الجمهورية في كلمته بأن التحديات التنموية في القارة عديدة “تستوجب استحداث آليات ترقى بإفريقيا إلى مستوى التنافسية الاقتصادية من خلال مقاربة تعتمد تعزيز دور الشركات الناشئة في اقتصاديات الدول الإفريقية التي اثبتت فعاليتها في تحقيق التنمية المستدامة”.
كما أكدت رسالة الرئيس على أن معظم الشركات و المؤسسات الكبيرة التي تدر عائدات مالية ضخمة انطلقت كشركات صغيرة ناشئة ، و على هذا الاساس يضيف رئيس الجمهورية، فلا مناص من دمج مفاهيم الشركات الناشئة و الابتكار و ريادة الأعمال في المنظومات الاقتصادية لبلداننا الإفريقية نظرا للإمكانات المؤكدة التي يتمتع بها الشباب الإفريقي بفضل تطور مستوى التعليم و سهولة الولوج إلى المعلومة و المعرفة”.
ومن ثم خلصت كلمة الرئيس إلى أن الملتقى هو بمثابة ورشة مفتوحة حول الابتكار تكون بمثابة فضاء للتشاور و الحوار، بما يمكن من تعزيز دور الطاقات الحية في تنمية قارتنا اقتصاديا و اجتماعيا و يفضي إلى حلول تحد من هجرة الكفاءات.
..الجزائر تمنح دفعة نوعية للمؤسسات الناشئة
ورغم ان العالم ينظر إلى هذا النوع من المؤسسات كأهم الحلول لضمان التنمية المستدامة الا ان الجزائر تأخرت عن الركب الا ان المنعرج الحاسم جاء في السنتين الاخيرتين حين منح الرئيس للمؤسسات الناشئة وزارتها الخاصة، كتعبير من الدولة الجمهورية على مكانة هذا النوع من المؤسسات في تغيير الاوضاع لصالح الجزائريين. وحتى تتمكن هذه المؤسسات من تقديم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني .، ولكي يتمكن ايضا أصحاب المشاريع المبتكرة من تجسيد أفكارهم، عملت الجزائر على تعزيز النظام البيئي للابتكار وفي أولى الخطوات المدعمة أعلن رئيس الجمهورية عن الإطلاق الرسمي للصندوق الوطني لتمويل المؤسسات الناشئة برأسمال قدره1.2مليار دج، كأول آلية عمومية لتمويل الشباب أصحاب المشاريع.
ورغم اعتراف وزير إقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، وليد ياسين المهدي، بأن قطاع الشركات الناشئة جديد بالجزائر وأن الطريق طويل ، الا أنه اكد وجود مجهودات كبيرة لدعم القطاع من حيث تمويل نظام بنكي وتحسين النظام البيئي لدعم المؤسسات الناشئة، كما أكد ايضا فشل الآليات السابقة لدعم الشباب .
“فكرة ، حل” …الكلمة السر لكل مؤسسة ناشئة
تعددت تعاريف الشركات الناشئة ولكن مبدأها واحد ومتفق عليه، فهي أي مشروع تجاري يقوم بالبحث عن نموذج عمل قابل للتكرار والتطوير ويهدف للنمو والتطور ، بمعنى آخر يقوم المؤسسون ورواد الأعمال بتقديم فكرة لنموذج عمل قابل للتطبيق ويلبي احتياحات السوق أو يقدم حل لمشكلة معينة لدى العملاء. فمن وظائف هذه المؤسسات البحث والتحليل والوصول لمنتج يقدم حلا لمشكلة قائمة أو تحسن خدمة وتقديمها برؤية أفضل. كما تهدف الستارت اب (startup) الى النمو والتوسع لتتحول لشركة عملاقة قادرة على تقديم الخدمات لأكبر شريحة ممكنة من العملاء المحتملين، فلا تقتصر على سوق معين بل وتخلق سوق جديد خاص بها. وبالتالي تصير الفكرة في البداية، وتقديم الحل لمشكل هو كلمات السر في نشوء اي مؤسسة ناشئة ومن ثم تطورها.
بخلاف المؤسسات التقليدية….الشركات الناشئة “مميزات وتميّز”
بخلاف المؤسسات التقليدية فالمؤسسات الناشئة لها مقدرة على التاقلم مع الظروف والتحديات حولها، أي في الأوضاع الصعبة تسعى هذه المؤسسات إلى تغيير وتطوير نفسها بما يتلائم مع السوق ، ولأن الهدف الأساسي للشركة الناشئة يصبح النجاح والنمو والتطور يصبح موظفيها يتميزون بالابتكار وحب التعلم والقدرة على تطوير من مهاراتهم لأجل تحقيق هدفهم. كما تتميز الشركات الناشئة بأنها ذات طابع غير رسمي، الأمر الذي يزيد التواصل بين الفريق وانتاجيتهم، فالعامل الأساسي لاتخاذ القرارات هي الكفاءة. ومن اهم مميزات هذه المؤسسات تقديمها لأسعار تنافسية لان تكلفة المنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات الناشئة عادة ما تكون أقل من الشركات الكبرى، ومن جهة أخرى تسعى لاشباع احتياجات السوق وحل مشاكل العملاء بطرق ذكية وعصرية، لانها تستخدم التكنولوجيا كوسيلة وليست غاية.
تحديات الشركات الناشئة
هناك العديد من التحديات التي قد تواجهها الشركة الناشئة، إلا أن أهمها وأكثرها خطورة هي الحصول على مصدر الفكرة والحصول على تمويل. الوصول لفكرة مبدعة قابلة للتطبيق والتطوير ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى دراسة وبحث وتحليل واعداد خطة للوصول لأفضل صورة قابلة للتنفيذ.
أما التمويل، فيعتبر المرحلة الثانية لإنشاء الشركة الناشئة وهي الحصول على تمويل أو استثمار لتحويل هذه الفكرة لمشروع ناشيء مطبق على أرض الواقع. وهذا الأمر يتطلب مجهود كبير وقدرة عالية على المنافسة من خلال خطة محكمة واهداف واضحة ومستدامة.
الشركات الناشئة ..تجارب هامة في القارة السمراء
باتت الشركات الناشئة الافريقية، تستقطب المستثمرين ، حتى لو كانت المبالغ المستثمرة فيها أقل من تلك المخصصة لنظيراتها الأوروبية والأميركية. وقد أحصى البنك الدولي 500 حاضنة للشركات الناشئة في القارة السمراء، في حين لم يكن عددها يتخطى العشرة في مطلع العقد. وتنشط هذه المؤسسات في مجالات عدة، من المالية إلى الطاقة مرورا بالصحة والتعليم، والملاحظ أن هذه الشركات قد نجحت في مواجهة بعض العراقيل التي تقيّد عادة نموّ الاقتصاد في القارة، وقد شهدت افريقيا تزايد التطبيقات المالية التي تلجأ إلى أنظمة الدفع عبر الهواتف الخلوية للتعويض عن نقص الخدمات المصرفية التقليدية في القارة.
كما تنشط عدة شركات ناشئة في مجال الطاقة للتعويض خصوصا عن النقص المزمن في الكهرباء في افريقيا. وعلى سبيل المثال، تعرض “احدى المؤسسات التي أنشئت في إرساء ألواح شمسية في منازل الأفراد، في مقابل سلفة ثم تقسم المستحقات دفعات صغرى تسدد عبر الهاتف المحمول. وفي ختام هذه الصفقة، يمتلك الزبون اللوح الشمسي. وكثيرة هي أيضا الشركات التي خاضت مجال اللوجستية، على غرار “ترايد ديبوت” وهي منصة نيجيرية على الهواتف المحمولة تربط بين كبار مزودي السلع الاستهلاكية، مثل “كوكا كولا”، وصغار بائعي التجزئة في القطاع غير النظامي الذين يسوقون منتجاتهم. ويقول سليم عبد الكريم صاحب كتاب عن الشركات الناشئة في افريقيا إن “هناك دائما حلّ للمشاكل التي تعانيها القارة وشركة قيد الإنشاء لتقديم هذا الحل”، يذكر أن البلدان الأكثر تقدما في هذا المجال هي نيجيريا وكينيا وجنوب افريقيا.
كما تشهد أسواق أخرى حركة كبيرة”، مثل غانا وتنزانيا وأوغندا والسنغال وساحل العاج وكاميرون. كما صنعت رواندا الاستثناء في هذا المجال ، وهنا يقول الخبراء إن “رواندا خاضت مغامرة رائعة لأن هذا البلد الذي مزقته النزاعات نجح بفضل التطور الرقمي في تحقيق نقلة نوعية ليس في الاقتصاد فحسب بل في العقليات أيضا.
وعلى غرار افريقيا التي لها تجارب واعدة في مجال المؤسسات الناشئة ، تعتبر الجزائر الانتقال الرقمي أحد الرهانات الكبرى التي يجب مواجهتها بالتزامن مع فجوة رقمية تجعل من الاعتماد على شبابها وافكاره المبدعة من خلال المؤسسات الناشئة من ضمن الحلول الناجحة لمواجهة رهانات كبرى تواجه الوطن وعلى رأسها الأمن الـمائي، والانتقال الطاقوي، والأمن الغذائي.
فايزة سايح




