أعلن التنسيق الوطني لأساتذة التعليم الأولي خوض إضراب وطني شامل لمدة يومين، يومي 7 و8 أفريل، أمام البرلمان بالرباط، احتجاجًا على السياسة المنتهجة في تسيير القطاع، والتي تقوم على تحويل الطفولة المبكرة من أولوية وطنية إلى سلعة في سوق مفتوح للجمعيات، في ظل انسحاب فعلي للدولة من مسؤولياتها، وتعويضها بصيغ تدبيرية مثيرة للجدل تحت مسمّى “الشراكة”
ويأتي هذا الحراك أيضًا في سياق محاولة إنقاذ المدرسة من التفكك وتفريغها من مضمونها التربوي والاجتماعي، وتحويلها إلى سوق للشغل الهش، لا يراعي أدنى شروط الكرامة الإنسانية والمهنية
فالواقع الراهن يتّسم بنوع من الاستغلال المقنّن للمعلم، ويتجه نحو تحويل الجمعيات الوسيطة إلى كيانات ربحية تُراكم الأرباح على حساب كرامة الأستاذ، في ظل غياب واضح لآليات الرقابة والمحاسبة
ومن أبرز مطالب هذا الحراك، يتصدر الإدماج الفوري والشامل لجميع أستاذات وأساتذة التعليم الأولي في سلك الوظيفة العمومية قائمة المطالب، ضمن النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يليه إسقاط نظام التدبير المفوض، ورفض منطق “التشغيل بالعقد” الذي أثبت فشله، وتحول إلى آلية لاستنزاف المال العام واستغلال الطاقات الشابة، فضلًا عن ضمان كافة الحقوق المهنية والاجتماعية، بما ينسجم مع مكانة الأستاذ ودوره المحوري في بناء الأجيال، كمدخل أساسي لإرساء تعليم عمومي مجاني وذي جودة.
ويواصل نظام المخزن تخبّطه في مختلف المجالات والقطاعات، من السكن إلى الصحة، ليصل به الأمر إلى التعليم الذي يُعدّ أساس بناء المجتمع. فلا قطاع في المغرب يسير بشكل طبيعي، في ظل احتقان شعبي متواصل ومطالب مهنية تُرفع باسم العدالة الاجتماعية في زمن “الأوليغارشية المخزنية”.
لقد أضحت الدولة اليوم في خطر حقيقي، في ظل نظام مخزني لم يعد قادرًا على الاستمرار، وعاجزًا عن تحقيق العدل والاستقرار. فالمؤشرات القائمة تنذر بإمكانية نشوب صدام عنيف في المستقبل القريب بين الشعب والحكومة، يمتد صداه إلى القصر الملكي ويهزّ أركانه.
وتكشف المعطيات على أرض الواقع حجم التدهور الذي تشهده المنظومة الاجتماعية، خاصة بعد أن بلغت الأزمة قطاع التعليم، ومسّت “المدرسة العمومية” التي تُعدّ رمز الدولة الاجتماعية والنواة الصلبة لمبدأ تكافؤ الفرص، وحق الجميع في الاستفادة من التعليم.
تشهد مختلف القطاعات الحيوية بالمملكة المغربية مرحلة مفصلية خطيرة، لم يسبق أن بلغت فيها الدولة هذا المستوى من العجز في التسيير، إلى حدّ رهن مؤسساتها في يد فئة تُعرف بـ”الأوليغارشية المخزنية”. فالصورة التي يروّج لها المخزن تقوم على إقدام الحكومة على إصلاحات هيكلية في مختلف القطاعات، غير أن الواقع يعكس تحوّلًا عميقًا في المنظومة الاجتماعية، من خلال نقل مؤسسات الدولة من الشعب إلى هذه الفئة النافذة، التي تضم ضباطًا سامين في الجيش الملكي، وعناصر من الأجهزة الأمنية، إلى جانب كبار المسؤولين المقربين من عائلة الملك.
وقد طال هذا التحوّل قطاع التعليم، حيث وُضعت “المدرسة العمومية” بدورها تحت هيمنة هذه “الأوليغارشية” التي بسطت نفوذها على معظم مؤسسات الدولة، في مشهد يمكن وصفه باختطاف المؤسسات وحرمان الشعب، المغلوب على أمره، من أبسط حقوقه الاجتماعية.
وفي الوقت الذي تتّجه فيه أغلب دول العالم إلى تعزيز منظومتها التعليمية والارتقاء بها، عبر دعم المؤسسات التربوية، وتحسين جودة التعليم، وتكريس مبدأ المجانية كرافعة للتقدم العلمي، يتجه المخزن نحو خوصصة “المدرسة العمومية”. وحرمان المواطن المغربي من حقه في التعليم، حيث يريد أن يجعل من التعليم لمن استطاع اليه سبيل.
واقع مهني يعكس حجم المعاناة.
يشهد قطاع التعليم بالمملكة المغربية هشاشة متفاقمة، إذ يعاني المعلمون من أوضاع اجتماعية ومهنية صعبة؛ فالأجور ضعيفة، والاستقرار المهني شبه منعدم، مع حرمان من أبسط الحقوق، كالتغطية الصحية والتقاعد، في خرق واضح للقوانين والمواثيق الدولية.




