أقلامنا الأولى الوطني

فرنسا… حين تُسرق هيبتها من داخل متحف اللوفر

أغلق متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس أبوابه أمام الزوار لليوم الثاني على التوالي، بعد عملية السطو الأخيرة التي استهدفت مجوهرات ثمينة تعود إلى الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون الثالث.
عملية نُفذت، حسب التقارير الإعلامية والأمنية، على يد أربعة أشخاص محترفين، في قلب العاصمة وتحت أنظار الجمهورية الخامسة التي تتغنّى بإعادة مجد الإمبراطورية، لكنها عجزت عن حماية أحد رموزها.
وقد علّق المتحف مؤقتًا إشعارًا يفيد بأن المؤسسة التي تستقبل سنويًا نحو تسعة ملايين زائر، وتضم أكثر من 35 ألف عمل فني على مساحة تبلغ 73 ألف متر مربع، لا تزال مغلقة “لظروف استثنائية”.
ظروف استثنائية فعلًا، لكنها تعبّر عن أزمة أعمق بكثير تعيشها فرنسا في عهد إيمانويل ماكرون، المراهق السياسي الذي يعجز عن حماية إرث ديغول، فكيف له أن يحمي إرث نابليون؟

ماكرون واللوفر… حين يلتقي الفشل بالتاريخ

حادثة اللوفر ليست مجرد سرقة لمجوهرات ثمينة، بل صفعة مدوّية على وجه فرنسا التي طالما تغنّت بأمنها وهيبتها.
بلدٌ يفاخر بأنه حارس التراث الإنساني والأوروبي، يُسرق في وضح النهار، داخل متحفه الأشهر، على يد أربعة لصوص أنهوا عمليتهم في سبع دقائق فقط!
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فهذه ليست الحادثة الأولى. ففي منتصف سبتمبر الماضي، سُرقت عينات من الذهب من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس بقيمة (600) ألف يورو، ثم لم تمضِ أسابيع حتى طال السطو متحف ليموج في وسط فرنسا، أحد أبرز المتاحف المتخصصة في الخزف، بخسائر بلغت (6.5) ملايين يورو.
تكرار هذه الحوادث يفضح بوضوح أن فرنسا لم تعد تلك الدولة التي تعرف كيف تحمي نفسها، وأن صورتها الأمنية اللامعة لم تعد سوى واجهة زجاجية قابلة للكسر.

السترة الصفراء… اللص الذي أعاد لماكرون كوابيسه

أظهر تسجيل مصوّر أحد اللصوص وهو يرتدي سترة صفراء شبيهة بملابس عمال المتحف، في مشهد لا يخلو من الدلالة والسخرية.
اللون الذي تخشاه حكومة ماكرون منذ اندلاع احتجاجات “السترات الصفراء”، عاد من جديد، ولكن هذه المرة ليس في الشوارع، بل في قلب متحف اللوفر، ليذكّرها بأن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل.
تنكّر السارق في هيئة عامل، ودخل القاعة التي تُعرض فيها مجوهرات نابليون الثالث، مستخدمًا أداة لقصّ الزجاج المحمي، قبل أن يغادر ومعه ما هو أثمن من الحلي: هيبة فرنسا نفسها.
كل ذلك حدث في وضح النهار، أمام دهشة الزوار وعدسات الكاميرات، واستغرق سبع دقائق فقط، وفق ما كشف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الذي لم يجد ما يقوله سوى أن المنفذين “محترفون وربما أجانب”.
هكذا ببساطة، كما اعتادت فرنسا، تعلّق كل فشل على “الآخر”، وكأن كل ما يحدث داخلها لا يمكن أن يكون إلا من صنع الأجانب!

فرنسا التي فقدت مجوهراتها… وتاريخها

حادثة اللوفر ليست جريمة عابرة، بل فضيحة كبرى، لأن ما سُرق في تلك الدقائق السبع لم يكن مجوهرات نابليون الثالث فحسب، بل كرامة فرنسا وتاريخها وهيبتها أمام العالم.
فرنسا التي كانت تتفاخر بأنها منارة الحرية وقلب الحضارة الأوروبية، تقف اليوم عاجزة أمام لصّ بسترة صفراء يتجوّل داخل متحفها وكأنه في نزهة فنية.
دولة فقدت قدرتها على حماية رموزها، فكيف لها أن تدّعي قيادة أوروبا أو الدفاع عن قيمها؟
لقد سُرقت مجوهرات نابليون، نعم، لكن ما سُرق حقًا هو مجد فرنسا وصورتها القديمة التي لم تعد تقنع أحدًا.
فالجمهورية الخامسة اليوم لا تواجه أزمة أمنية فقط، بل أزمة هوية، بعدما تحوّل اللوفر من رمزٍ لعظمة فرنسا إلى مرآة تعكس هشاشتها.
حادثة اللوفر ليست جريمة عادية، بل إعلان صريح بأن فرنسا لم تعد كما كانت.
فما سُرق في باريس هذه المرة لم يكن ذهبًا… بل هيبة وطن.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام