بعد عام من ظهور حركة «جيل Z 212» في المغرب، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بحجم الاحتجاجات في الشارع، بل باستمرار الملفات الاجتماعية التي دفعت الشباب إليها أصلًا. فالبطالة المرتفعة بين الفئات الشابة، وصعوبات الولوج إلى خدمات صحية وتعليمية جيدة، وضغط تكاليف المعيشة، وضعف الثقة في قدرة المؤسسات السياسية على تحويل النمو والاستثمار إلى فرص ملموسة، ما تزال حاضرة في النقاش المغربي رغم البرامج والزيادات التي أعلنتها السلطات منذ خريف 2025.
انطلقت الحركة في سبتمبر 2025 على خلفية غضب اجتماعي تفجر بعد وفاة ثماني نساء إثر عمليات قيصرية في مستشفى عمومي بأغادير، قبل أن تتوسع مطالبها إلى ملفات الصحة والتعليم والبطالة والفساد وتفاوت فرص التنمية. ولم تكن الحركة مرتبطة بحزب أو قيادة سياسية تقليدية، بل تشكّلت أساسًا عبر شبكات التواصل ومنصات رقمية، وهو ما منحها قدرة على الانتشار خارج القنوات الحزبية المعتادة والوصول إلى مدن ومناطق متعددة.
وبعد سنة، يظهر أن الجزء الأكبر من المطالب التي رفعتها الحركة ما يزال حاضرًا في الحياة السياسية والاجتماعية المغربية. فقد بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 عامًا نحو 37% في 2025 وفق الأرقام التي أوردتها وكالة «أسوشيتد برس»، في وقت واصل فيه الاقتصاد المغربي تسجيل استثمارات كبيرة في الصناعة والبنية التحتية والمشاريع المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030. غير أن هذا التوسّع لم يتحوّل بالوتيرة نفسها إلى فرص عمل كافية للفئات الشابة، وهو ما أبقى التشغيل في مقدمة القضايا المطروحة على الحكومة والأحزاب.
ويظهر التباين نفسه في قطاع الصحة. فبعد احتجاجات 2025، رفعت السلطات مخصصات الصحة والتعليم في ميزانية 2026 بنسبة 18% إلى نحو 140 مليار درهم، مع الإعلان عن 8 آلاف منصب جديد في الصحة و19 ألف منصب في التعليم وتأهيل 90 مستشفى. لكن زيادة الاعتمادات لم تنه النقاش حول جودة الخدمات أو كلفة العلاج، خصوصًا أن بيانات محكمة الحسابات أظهرت أن الإنفاق المباشر من الأسر ظل يمثل نحو 34% من إجمالي تكاليف الرعاية الصحية في 2024، بينما ذهبت 91% من تعويضات التأمين الصحي الإجباري إلى القطاع الخاص رغم اعتماد شريحة واسعة من السكان على المستشفيات العمومية.
وتعكس هذه الأرقام جوهر المشكلة التي أبقت ملف «جيل Z 212» حاضرًا بعد تراجع زخم الشارع. فالإصلاحات أطلقت بالفعل، لكن جزءًا منها ما يزال يحتاج إلى سنوات حتى ينعكس على الخدمات اليومية. نظام المجموعات الصحية الإقليمية، الذي أُقر قانونيًا منذ 2022 بهدف تحسين إدارة المستشفيات واللامركزية في تقديم العلاج، لم يدخل بعد مرحلة التشغيل الكامل، بينما لا تزال إصلاحات ظروف العمل والتكوين في القطاع الصحي تواجه مسارًا طويلًا من التنفيذ والتفاوض.
ولا يختلف ملف التعليم كثيرًا من حيث طبيعة الضغط. فزيادة التوظيف والإنفاق تعالج جزءًا من الاحتياجات، لكنها لا تلغي مشكلات جودة التكوين والتفاوت بين المناطق وربط الشهادة بسوق العمل. وبالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، لا ينتهي تقييم التعليم عند عدد المؤسسات أو المناصب الجديدة، بل عند قدرة المدرسة والجامعة على إنتاج فرصة مهنية ودخل يسمح بالاستقلال الاقتصادي.
وهنا تلتقي الصحة والتعليم مع التشغيل في نقطة واحدة: قدرة السياسات العمومية على تحويل الإنفاق والنمو إلى نتيجة يشعر بها المواطن مباشرة. فالمغرب سجل خلال السنوات الأخيرة توسعًا في الصناعة والموانئ والطاقة والبنية التحتية واستقطاب الاستثمار الأجنبي، لكن التقارير الدولية التي تناولت وضع الشباب تشير إلى أن جزءًا من هذه الفئة ما يزال يشعر بأن هذه المكاسب لا تصل إليه بالقدر نفسه في الوظيفة والدخل والخدمات.
وقد انتقلت هذه الفجوة تدريجيًا من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي. فبيانات التسجيل الانتخابي أظهرت ضعف حضور الفئات الشابة؛ إذ شكل الناخبون دون 35 عامًا نسبة محدودة من الهيئة الناخبة، فيما كانت مشاركة الفئة بين 18 و24 عامًا أضعف بكثير من وزنها الديمغرافي. وقرأت تقارير حديثة هذا التراجع باعتباره أحد مؤشرات الشك في قدرة المشاركة الحزبية والانتخابية التقليدية على معالجة الملفات التي فجرت احتجاجات 2025.
وتكشف هذه المؤشرات أن التحدي أمام الحكومة المغربية لا يتعلق فقط بمنع تجدد الاحتجاجات، بل بإعادة بناء الثقة في أن المؤسسات قادرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس. فالمشكلة لا تختفي عندما تهدأ الشوارع إذا استمرت البطالة مرتفعة وبقيت كلفة العلاج كبيرة ولم يشعر الشباب بتحسن في فرصهم الاقتصادية.
كما أن طبيعة «جيل Z 212» نفسها تجعل التعامل معها مختلفًا عن الحركات الاحتجاجية التقليدية. فغياب قيادة مركزية أو هيكل حزبي واضح يعني أن تراجع النشاط الميداني لا يساوي بالضرورة انتهاء الحركة، لأن الشبكات الرقمية التي سمحت لها بالتشكل ما تزال قائمة، بينما تبقى المطالب نفسها قابلة لإعادة التعبئة كلما تجددت أزمة مرتبطة بالخدمات أو التشغيل أو تكاليف الحياة.
لهذا، فإن مرور عام على الاحتجاجات لا يضع المغرب أمام ملف أمني بقدر ما يضعه أمام اختبار للسياسات الاجتماعية والاقتصادية. السلطات رفعت الاعتمادات وأعلنت برامج جديدة ووسعت التوظيف في الصحة والتعليم، لكن المرحلة الحاسمة هي تحويل هذه القرارات إلى تحسن فعلي في المستشفيات والمدارس وسوق العمل.
وبهذا المعنى، لا تكمن قوة «جيل Z 212» في عدد المظاهرات التي تستطيع تنظيمها، بل في أن المطالب التي رفعتها أصبحت معيارًا يختبر به جزء من الشباب أداء الحكومة: وظيفة بعد التخرج، علاج يمكن الوصول إليه، تعليم أفضل، وقدرة شرائية تسمح بحياة مستقرة.
وما لم تتحسن هذه المؤشرات بصورة ملموسة، ستظل أسباب الاحتجاج قائمة حتى عندما يتراجع حضوره في الشارع. أما إذا تحولت الزيادات في الميزانية وبرامج التشغيل وإصلاحات الصحة والتعليم إلى نتائج محسوسة، فسيكون ذلك العامل الأهم في تقليص الفجوة التي كشفتها احتجاجات 2025 بين مؤشرات النمو وبين الواقع الاجتماعي لفئات واسعة من الشباب المغربي.




