أكّد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن انتقال الجزائر من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المحروقات إلى اقتصاد منتج ومتنوع لم يعد سؤالًا نظريًا، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يرتبط بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة وفرص العمل والصمود أمام تقلبات أسعار النفط والغاز.
وأوضح الأستاذ تيغرسي في ردّه على سؤال “شرشال نيوز” حول أهمية التحوّل الاقتصادي و تنويع الاقتصاد خارج المحروقات، أن التحوّل الحقيقي لا يعني التخلي عن المحروقات، وإنما تحويل عائداتها من مصدر للاستهلاك وتمويل الميزانية إلى رافعة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.
وقال في هذا السياق:المحروقات تموّل التحوّل، لكنها لا تكون هي التحول”.
وأشار الخبير الاقتصادي تيغرسي إلى أن المحروقات ما تزال تمثل نحو 13 % من الناتج المحلي و83 % من الصادرات و46 %من إيرادات الميزانية خلال الفترة 2020-2024، وذلك وفق البنك الدولي،حسب قوله.
مضيفا،” في حين سجل الاقتصاد غير النفطي نموًا قويًا خلال السنوات الأخيرة، ما يؤكد وجود قاعدة يمكن البناء عليها، مع ضرورة الانتقال من نمو مدفوع بدرجة كبيرة بالإنفاق والاستثمار العمومي إلى نمو تقوده الإنتاجية والاستثمار الخاص والصادرات.”
التنويع.. إنتاج القيمة وليس توزيع الأموال
ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن التنويع لا يعني إنشاء عدد كبير من المشاريع أو رفع الإنفاق العمومي، وإنما قدرة الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات تنافسية، وخلق مؤسسات مستقرة ووظائف ذات قيمة مضافة، ثم تصدير جزء من هذا الإنتاج.
وفي ذات السياق، أكّد أن الجزائر تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يستورد جزءًا مهمًا من مدخلاته ويصدر أساسًا المواد الأولية، إلى اقتصاد يرفع القيمة المضافة محليًا، من خلال بناء سلاسل إنتاج متكاملة، من المادة الأولية إلى التحويل، ثم المنتج النهائي والتصدير.
كما لفت الخبير في حديثه الى “القطاع الصناعي”، حيث قال من الضروري ايضا “الانتقال من مجرد إنشاء المصانع إلى بناء منظومات إنتاج تضم الموردين والمناولين والخدمات اللوجستية ومراكز البحث والتكوين والتمويل والتصدير. “
وفي هذا الصدد، أشار إلى فرص قطاعات الحديد والصلب، والبتروكيميائيات، والأسمدة، والصناعات الغذائية والميكانيكية والإلكترونية والدوائية ومواد البناء ومكونات الطاقة المتجددة.
الفلاحة والصادرات.. ركيزتان للتنويع
واعتبر الخبير الاقتصادي تيغرسي أن الفلاحة تمثّل أحد أكبر أبواب التنويع الاقتصادي، ليس فقط لتقليص فاتورة الاستيراد، وإنما لقدرتها على خلق أنشطة اقتصادية مرتبطة بالبذور والأسمدة والمكننة والتخزين والتحويل والنقل والتبريد والتصدير.
كما اعتبر أن زيادة الصادرات غير النفطية تمثّل الاختبار الحقيقي لنجاح التنويع، مشيرًا بلغة الأرقام إلى ارتفاعها إلى 5.1 مليار دولار في 2023، وذلك وفق البنك الدولي-حسب قوله-، وإلى الأهداف الرسمية الرامية إلى رفعها إلى 15 مليار دولار بحلول 2027 و29 مليار دولار بحلول 2030.
وأكّد الأستاذ تيغرسي أن بلوغ هذه الأهداف يحتاج إلى منتج وسعر تنافسيين، وجودة مطابقة، وتمويل وتأمين ونقل وموانئ ولوجستيك ومعلومة تجارية، ما يجعل إصلاح منظومة التصدير جزءًا من سياسة التنويع نفسها.
الاستثمار الخاص والإصلاح الإداري
ويرى الخبير الاقتصادي تيغرسي أن الدولة لا يمكنها وحدها حمل مشروع التحوّل الاقتصادي إلى ما لا نهاية، إذ يتطلب خلق فرص العمل المستدامة قطاعًا خاصًا منتجًا وقابلًا للنمو والتصدير.
ولهذا، -حسبه-فإن رقمنة الإجراءات، وتوفير العقار، وتبسيط الضرائب والجمارك، وتسريع التراخيص، تمثل في جوهرها سياسة اقتصادية لخفض تكلفة ممارسة الأعمال.
وشدّد على ضرورة الانتقال من منطق “الترخيص” إلى منطق “النتيجة”، بحيث يقاس الاستثمار بعدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، والوظائف التي خلقتها، وحجم ما وفرته من الواردات وما جلبته من الصادرات والقيمة المضافة المحلية التي أنتجتها.
كما أكد أن الرقمنة الحقيقية لا تعني تحويل الورق إلى ملف إلكتروني فقط، وإنما إعادة هندسة المسار الإداري وبناء منظومة رقمية مترابطة.
الاستيراد والإنفاق والتمويل
وشدّد الأستاذ تيغرسي على أن ترشيد الاستيراد يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية الإنتاج، لأن الاقتصاد المنتج يحتاج إلى استيراد الآلات والتكنولوجيا والمواد الأولية والمكونات التي لا ينتجها محليًا، معتبرًا أن المعادلة الصحيحة هي”نمنع الاستيراد الذي ينافس الإنتاج المحلي دون قيمة، ونيسّر الاستيراد الذي يبني الإنتاج المحلي”.
كما دعا الأستاذ تيغرسي إلى رفع كفاءة الإنفاق العمومي وتعزيز الإيرادات غير النفطية، بحيث يتحول الإنفاق تدريجيًا من مجرد أداة لتحفيز الطلب إلى أداة لرفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج.
كما تطرّق الخبير الاقتصادي الى التمويل، حيث أكّد على ضرورة تطوير تمويل الاستثمار ورأس المال المخاطر والتمويل الإسلامي وضمانات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمويل الصادرات، مع توجيه التمويل نحو المشاريع المنتجة والقابلة للاستمرار.
رأس المال البشري والأسواق الإفريقية
كما نوّه أيضا الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في مداخلته على رأس المال البشري، مؤكدا أن القيمة الاقتصادية للموارد الجزائرية تعتمد في النهاية على الإنسان الذي يحوّلها إلى إنتاج، داعيًا إلى ربط التعليم والتكوين والجامعة والبحث العلمي بحاجات الاقتصاد، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة والصناعة والميكاترونيك والطاقة والتعدين واللوجستيك والزراعة الحديثة والأمن السيبراني والتقنيات المالية.
كما يرى أن السوق الإفريقية ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إلى جانب الأسواق الأوروبية والمتوسطية، تمثّل فرصة أمام المنتج الجزائري، غير أن ذلك يتطلب استراتيجية تصدير إقليمية، ومناطق لوجستية، وموانئ متخصّصة، وربطًا أفضل بين الجنوب والشمال وخطوط نقل أكثر كفاءة.
قياس التحوّل بالنتائج
ويخلص الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إلى أن الجزائر قطعت خطوات في اتجاه التنويع، غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قياس النتائج من خلال مؤشرات واضحة، تشمل الصادرات غير النفطية، والإنتاج الصناعي، والقيمة المضافة المحلية، والاستثمار الخاص، والوظائف المنتجة، والإنتاجية، وفاتورة الاستيراد المرتبطة بالإنتاج.
ويؤكّد الاستاذ تيغرسي أن التحوّل الاقتصادي الجزائري لا يمكن أن يحدث بقرار أو قانون أو مشروع واحد، وإنما هو مشروع طويل المدى يجمع بين الطاقة والصناعة والفلاحة والتعدين والخدمات والرقمنة والتعليم والتمويل والتصدير.
ويختصر رؤيته في معادلة مفادها أن “النفط والغاز يموّلان المرحلة الانتقالية، الصناعة تحوّل الموارد إلى قيمة، الفلاحة تعزّز الأمن الغذائي، الخدمات تخلق وظائف جديدة، الاستثمار الخاص يوسّع قاعدة الإنتاج، والتصدير يقيس قدرتنا على المنافسة”.
كما ينوّه الى أن قياس نجاح التحوّل الاقتصادي لا يكون فقط بمدى انخفاض أهمية المحروقات، وإنما بمدى ارتفاع قدرة القطاعات الأخرى على إنتاج الثروة والعمل والتصدير، حتى يصبح النفط والغاز جزءًا من قوة الاقتصاد الجزائري، وليس شرطًا لاستمراره.
مهدي الباز




