الأولى الثقافي الوطني تحاليل وآراء لقاءات شرشال نيوز
✒️ المحاور: مهدي الباز

الكاتب والروائي المصري محمود ماهر لـ”شرشال نيوز”: سنروي قريبًا كيف خرج المجاهدون من الجزائر وتونس لإنقاذ مسلمي الأندلس”

لا تزال الأندلس ذلك الفردوس المفقود الذي استوطن الذاكرة العربية والإسلامية، ليس باعتبارها مجرد حقبة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بل بوصفها منظومة حضارية وفكرية وإنسانية فريدة، ألهمت أجيالًا من الكُتّاب والروائيين لسرد حكايات ذلك الفردوس الحضاري الذي أضاء جوانب واسعة من تاريخ الإنسانية.

وفي إطار اهتمامها بالشخصيات الأدبية والفكرية التي جعلت من التاريخ مصدرًا للإبداع والإلهام، تفتح “شرشال نيوز” حوارًا مع الكاتب والروائي المصري محمود ماهر، الملقب بـ”راوي الأندلس”، للحديث عن علاقته بهذه الحقبة التاريخية التي لا تزال حاضرة في الذاكرة العربية والإسلامية، وعن تجربته في توظيف الرواية لاستحضار محطّات الفتح والازدهار والسقوط، وتسليط الضوء على شخصيات وأحداث لم تنل حظها الكافي من السرد الأدبي.

كما يتطرّق الحوار إلى الامتداد التاريخي والحضاري الذي يجمع الجزائر بالأندلس، وحضور الموروث الأندلسي في الذاكرة الثقافية الجزائرية، إلى جانب تجربته مع القارئ الجزائري ومشاريعه الروائية القادمة.

شرشال نيوز:  مرحبًا بك دكتور محمود ماهر في هذا الحوار الخاص بـ”شرشال نيوز“. بدايةً، لقّبك قراؤك بـ”راوي الأندلس“، كيف بدأت علاقتك بهذه الحقبة التاريخية المهمة في تاريخ الأمة الإسلامية؟

دكتور محمود ماهر : أهلًا بك، وشكرًا لجريدة “شرشال نيوز”، ومرحبًا بك وبكل القراء الكرام. مبدئيًا، أرحب بكل أهلي وإخوتي في الجزائر الحبيبة، وأذكّرهم دائمًا بأن الجزائر ومصر بلدان فرّقتهما الحدود وجمعهما الدين واللغة والتاريخ.

أما عن الأندلس، فقد عشقتها وتعلّقت بها منذ صغري؛ فكنت أبحث عن كل كتاب أو رواية أو مقال في جريدة يتحدّث عن الأندلس، فأشتري الكتاب والرواية، وأقرأ المقال، وأبحث عن الصور… فحكاية الأندلس معي قديمة، وهي جديرة بأن يتعلق بها كل من قرأ أو سمع عنها.

وعندما أطلق عليّ القراء لقب “راوي الأندلس”، كان ذلك أوسع أبواب المسؤولية، لكي أنقل نبض هذه الحضارة العظيمة إلى قلوب وعقول الأجيال الجديدة.

شرشال نيوز:  بدأت بصفحة “المسلمون في الأندلس” على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تبدأ في كتابة الرواية. ماذا أضافت إليك مواقع التواصل الاجتماعي، بصفتك باحثًا وروائيًا؟

دكتور محمود ماهر : مواقع التواصل الاجتماعي كانت بمثابة المختبر الحي وميدان التفاعل المباشر مع النبض البشري، وبداياتي عبر صفحة “المسلمون في الأندلس” منحتني أمرًا لا تقدر كتب التاريخ وحدها على منحه انها “النافذة الحية على القارئ”.

لقد علّمتني وسائل التواصل كيف أقترب من اهتمامات الناس، وما الأسئلة التي تشغل أذهانهم حين يقرؤون التاريخ.

وبصفتي باحثًا وروائيًا، جعلتني هذه المنصات أتدرّب على تبسيط المعلومة المعقّدة، وتقديم السرد التاريخي بروح مشوقة قريبة من الوجدان، فضلًا عن أنها خلقت مجتمعًا من القراء المتحمسين الذين رافقوني خطوة بخطوة، حتى تحولت تلك التدوينات والبحوث إلى مشاريع روائية كاملة.

شرشال نيوز: تشكّل رواياتك الأربع مسارًا متدرجًا، من الفتح في فجر إيبيرية إلى الازدهار في “ربيع الأندلس”، ثم السقوط، لماذا اخترت أن تكتب عن الأندلس بهذا الترتيب غير الزمني؟

دكتور محمود ماهر : الرواية التاريخية ليست كتاب تاريخ مدرسيًا يسير في خط مستقيم، بل هي رحلة في النفس البشرية وفي أسباب الصعود والانهيار، لم أكتب عن الأندلس بترتيبها الزمني البحت، لأنني أؤمن بأن القارئ يحتاج إلى التعرّف على روح الأندلس في أوج إشراقها، لكي يدرك لاحقًا حجم الخسارة حين تدقّ ساعة السقوط.

اخترت أن أتنقّل بين محطات الفتح والازدهار والتمزّق، لأن كل حقبة تمثل سؤالًا مختلفًا: “كيف تقاوم أمة؟”، و”كيف يُصنع الازدهار؟”، و”كيف يتسلّل الخراب من الداخل؟”. هذه الانتقالات تمنح القارئ رؤية شمولية، وليست مجرّد سرد حكائي متعاقب.

 فقد بدأت برواية “خريف شجرة الرمان”، التي تحكي سقوط غرناطة وأيامها الأخيرة، ثم أردفتها برواية “جارة الوادي”، التي تتحدث عن سقوط إشبيلية، ثم كانت “ربيع الأندلس”، وتوالت الأعمال حتى وصلت إلى الرواية الثامنة، وهي “فارس الأندلس”.

كنت أكتب ما أتحمس له، أو ما يغفل عنه الآخرون؛ فمثلًا، رغم عظمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، لم تكن هناك روايات تناولته وتحدثت عنه باستفاضة، فكتبت أنا عنه.

وكذلك، جميعنا يعرف كيف سقطت غرناطة، ولكن القليل منا يعرف كيفية سقوط قرطبة وإشبيلية وطليطلة، لذا آثرت الحديث عنها لملء تلك المساحات التاريخية المهمة.

شرشال نيوز: أين ينتهي التاريخ وأين يبدأ الخيال في أعمالك؟ وكيف تتعامل مع الأحداث أو الفجوات التي تسكت عنها المصادر التاريخية؟

دكتور محمود ماهر : ينتهي التاريخ حيث تسكت المصادر، ويبدأ الخيال حيث تنبض النفس البشرية. فالمصادر التاريخية تكتفي بالقول إن فلانًا صنع كذا، أو إن معركة وقعت في اليوم الفلاني؛ لكنها لا تخبرك عما دار في قلب قائد وهو ينظر إلى جنده، ولا عن حديث الزوجة لزوجها قبل المعركة.

في الفجوات التي تسكت عنها المصادر، يأتي دور الروائي ليملأ الفراغ بصدق نفسي وفني يحترم روح العصر، دون أن يزوّر وقائعه الكبرى.

شرشال نيوز: تتناول رواياتك شخصيات تاريخية مهمة وأحداثًا كان لها أثر في مسار تاريخ الأندلس، كثورة ابن حفصون وصراعه مع الأمويين.  لماذا اخترت هذه الشخصية تحديدًا؟ وهل رأيت فيها متمردًا أم صاحب مشروع؟

دكتور محمود ماهر: اخترت ابن حفصون لأنه يمثل أحد أبرز التناقضات الصعبة في تاريخ الأندلس؛ فهو لم يكن مجرد خارج عن القانون، بل كان يمثل ما يجول في نفوس بعض النصارى المعاهدين الذين كانوا يضمرون عكس ما يظهرون، لأنبّه القارئ إلى أن الوجوه تخفي بداخلها أكثر مما نتصور أو نعرف، وأن من مأمنه يؤتى الحذر.

هو لم يكن مجرد ثائر عابر، بل كان صاحب مشروع خفي لهدم الأندلس وإعادتها إلى زمن القوط؛ فقد أراد ابن حفصون هدم الأندلس من الداخل، واستعان في سبيل ذلك بكل الوسائل التي تنبئ عن خيانته.

دراسة هذه الشخصية تتيح لنا فهم كيف تتشابك الصراعات الداخلية وتوهن الدول، وكيف تُدار الفتن من قلب النسيج الاجتماعي قبل أن يطرق الغزاة الأبواب.

شرشال نيوز: “فارس الأندلس”، وهي إحدى أهم رواياتك، تناولت فيها شخصية المنصور الموحدي، وقد انطلق الموحّدون من المغرب العربي لبناء دولة قوية في شمال إفريقيا. هل يمكن أن تحدثنا بإيجاز عن هذا التاريخ؟

دكتور محمود ماهر : الموحدون يمثلون صفحة ناصعة من كبرياء هذه الأمة؛ فقد انطلقوا من جبال المغرب الأقصى عبر قاعدة صلبة من الإصلاح العقدي والاجتماعي والسياسي، لبناء دولة قوية فرضت هيبتها على شمال إفريقيا والأندلس معًا.

وحين كتبت عنهم، كنت أستحضر تلك الرابطة التاريخية العميقة التي طالما جمعت بين شعوب المنطقة، وكيف كانت إفريقيا دائمًا العمق الاستراتيجي والدرع الحصين لشبه الجزيرة الإيبيرية. وقد دامت الأندلس ما دامت بلاد المغرب قوية ومهابة، فلما ضعف أمر المغرب بعد المرابطين والموحدين وبني مرين، سقطت الأندلس ولم يسمعها أحد.

شرشال نيوز : يرى بعض القراء أن الأندلس في الكتابات العربية تمثل مرثية دائمة، وأن سقوطها كان محطة تراجعت بعدها الأمة عن ركب الحضارة.  فهل اتخذت من الرواية وسيلة للكتابة عن الأندلس بدافع الحنين، أم لتقديم درس في أسباب قيام الدول وسقوطها؟

دكتور محمود ماهر : لم أكتب يومًا بدافع البكاء على الأطلال، فالحنين وحده لا يصنع أدبًا خالدًا.

إن كتابتي عن الأندلس ليست مجرد مرثية حزينة على ما مضى، بل هي قراءة واعية وموضوعية في أسباب قيام الحضارات وسقوطها.

الأندلس مرآة عظيمة نرى فيها كيف تزدهر الأمم بالعلم والعدل والانفتاح، وكيف تنهار بالتعصّب والفرقة والصراعات على السلطة.

كتابتي هي دعوة لكي نقرأ الماضي بعين العقل، لنستلهم الدروس ونفهم كيف تُبنى الأوطان وكيف تُحرس من الانهيار.

شرشال نيوز : يقارن القراء أعمالك بـ”ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور. ما الذي تعلمته من جيل الروائيين الذين سبقوك في الكتابة عن الأندلس، وما الذي تحاول أن تضيفه إلى هذا المسار الأدبي؟

دكتور محمود ماهر : ثلاثية غرناطة” للأستاذة العظيمة رضوى عاشور عمل استثنائي لا يُطاول، وقد تعلمت منه كيف يُكتب التاريخ من أسفل، من عيون البسطاء والناس العاديين، لا من قصور الحكام وحدها.

أما ما أحاول إضافته إلى هذا المسار الأدبي العريق، فهو الغوص أكثر في الجوانب الاستراتيجية والعسكرية والسياسية الكبرى للصراع، وتسليط الضوء على شخصيات ومحطات ربما لم تأخذ حقها الكافي من السرد الروائي، مثل فترات التأسيس الأولى، أو الصراعات البحرية، أو التداخلات مع شمال إفريقيا، مع الحفاظ على لغة أدبية رفيعة تلامس وجدان القارئ المعاصر.

شرشال نيوز: للجزائر صلة بالأندلس عبر الموريسكيين والعائلات الأندلسية التي استقرت في الجزائر وتلمسان ووهران، هل فكرت في الكتابة عن هذا الامتداد التاريخي؟

دكتور محمود ماهر : الجزائر والأندلس توأمان تصلهما أواصر الدم، والموريسكيون لم يتركوا الأندلس وحدها، بل حملوها في قلوبهم وحقائبهم إلى مدن مثل الجزائر وتلمسان ووهران.

فكرت كثيرًا في هذا الامتداد التاريخي العظيم، وهو حقبة بالغة الثراء والثرى الإنساني؛ فالعائلات الأندلسية التي استقرت في الجزائر لم تكن مجرد عائلات مهاجرة، بل نقلت معها معمارها وفنونها وعلمها وروحها.

إن كتابة هذه الصفحة تُعد دَيْنًا أدبيًا وتاريخيًا واجبًا علينا، لنروي قصة العبور الثاني، وكيف استمر نبض الأندلس في عروق المدن الجزائرية العريقة.

وقريبًا، إن شاء الله، سنروي معًا كيف خرج المجاهدون من الجزائر وتونس لإنقاذ مسلمي الأندلس ونقلهم إلى إفريقية في القرن السادس الميلادي!

شرشال نيوز: هل لديك اطلاع على الأدب الجزائري؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكنك أن تذكر لنا شخصية روائية جزائرية تقرأ لها، وترى أن أعمالها قد تساعدك على فهم تاريخ الأندلس من خلالها، بحكم أن الرواية تسرد ما تعجز كتب التاريخ عن سرده؟

دكتور محمود ماهر: الأدب الجزائري يمتلك بصمة فريدة تتألم وتعبر بعمق عن أصالة الهوية والتمسك بالجذور وسط أمواج التاريخ العاصفة.

وحين نبحث عن عمل أو شخصية نقرأ لها لنفهم روح الصراع والصمود والتعلق بالأرض، تبرز أمامنا أسماء خالدة في الرواية الجزائرية، ولعل أعمالًا مثل أدب واسيني الأعرج أو أحلام مستغانمي تعكس تلك القدرة الفذّة على جعل المكان بطلًا حيًا، والتعبير عن مأساة الإنسان وهو يصارع التاريخ.

هذه العوالم السردية تساعد الروائي كثيرًا على فهم نفسية الشعوب التي تدافع عن هويتها في وجه المحو والشتات، وهو ذات التحدي الذي عاشه أهلنا في الأندلس والمغرب الإسلامي.

شرشال نيوز:  هذه أولى مشاركاتك في صالون الجزائر الدولي للكتاب، ما انطباعك عن القارئ الجزائري؟

دكتور محمود ماهر: بل تشارك أعمالي بانتظام منذ عام 2018، فالجزائر بالنسبة لي ليست مجرد محطة ثقافية، بل هي عاصمة من عواصم العروبة والوعي والتاريخ، وقارئها من أعمق القراء وأكثرهم شغفًا بالكتاب.

شرشال نيوز: هل لديك مشروع جديد يتعلق بالأندلس، أو حقبة تاريخية لم تكتب عنها بعد وتريد تناولها روائيًا؟

دكتور محمود ماهر: حكايات الأندلس وملاحم التاريخ الإسلامي أوسع من أن تُحصر في عمل واحد. نعم، لديّ مشروعات جديدة قيد التخطيط والكتابة؛ بعضها يغوص أكثر في أعماق تفاصيل الصراع الأندلسي وتداخلاته الكبرى مع العالم الإسلامي، وبعضها الآخر يتطلع إلى آفاق جديدة في حقب تاريخية لم أكتب عنها بعد، حاملةً الروح الملحمية ذاتها واللغة الأدبية التي أحبها القراء.

شكرًا لك يا أستاذ على هذا الحوار الراقي، وتحياتي الخالصة لكل فريق جريدة “شرشال نيوز” ولكل أحرار الجزائر وأهلها الأطهار.

أجرى الحوار: مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام