يعيش الشعب الصحراوي على تخوم الحدود المغربية الجزائرية الموريتانية قصّة صراع يومي من أجل البقاء أوّلا والاستقلال بذاته على المملكة المغربية ثانيا، وعليه تصنف القضية الصحراوية على أنها احدى أقدم النزاعات الأفريقية التي خلّفها الاستعمار ومازالت مستعصية على الحلول التوافقية.
وتطرقت الكاتبة الصحفية وباحثة دكتوراه في الفلسفة الاجتماعية يسرى بلالي إلى تفاصيل القضية ومعاناة الشعب الصحراوي الذي يعيش يوميّاته تحت ظلّ ما يصفه بالاحتلال المغربي.
وأفادت الصحفية أن الساعة كانت تشير الى الثالثة بعد الظهر من يوم الجمعة 20 نوفمبر 1987، لما دخلت الغالية عبد الله محمد دجيمي إلى مكان عملها بالمديرية الإقليمية للفلاحة بمدينة العيون، وهي حالمة بهذا اليوم الذي انتظرته الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية بفارغ الصبر لقدوم البعثة التقنية للأمم المتحدة والوحدة الإفريقية من أجل إعداد مشروع السلام الذي سينصر هذا الشعب المحتلّ، قبل أن تحلّ بالصحراء عاصفة رملية جارفة تحول دون قدوم الطائرة وتقلب مصير هذا الشعب رأسا على عقب.
وقالت يسرى بلالي: تدخل غالية على مهل حتى لا تفسد الرايات والرسالتين المثبّتتين على رجليها تحت المظهر الخارجي للسروال الباكستان وهي تردد في قلبها يجب أن لا تخرج الرايات للنور قبل وصول البعثة”.
وتابعت ذات المتحدثة:” الساعة الآن تشير الى الثالثة والنصف، رنّ جرس الهاتف، إنّه المدير يطلب الغالية للحضور عنده. تمتثل الغالية، وما أن تفتح باب المكتب حتى تصطدم برَجُلين ملثّمين بالزيّ العسكري يضعان نظّارات سوداء اللّون”
وروت الباحثة على لسان الصحراوية غالية:” أخبراني أنّهما رجلا أمن وأنّهما يرغبان في الحديث اليّ لدقيقتين أمام المديرية، طلبتُ منهما امهالي حتّى العودة إلى مكتبي وأخذ حقيبتي على أمل أن أتخلّص ممّا أخفيه تحت سروالي لكنّهما رفضا طلبي بدعوى أنّ الأمر لن يدوم أكثر من دقيقتين”.
وأفادت الصحفية :”كانت سيارة اللاّند روفر تنتظرها أمام البناية، كانت تنتظر اول معتقلة لذلك اليوم، وما أن صعدت الغالية حتى زجّ رجال الشرطة برأسها بين رجليها واضعين كيسا على رأسها حتّى لا تدرك ما سيحدث لها بعد ذلك”
تعود هذه القصّة وقصص أخرى مماثلة إلى 31 أكتوبر 1975، حيث قامت المملكة المغربية باجتياح عسكري لإقليم الصحراء والذي كان مستعمرا من قبل الدولة الإسبانية منذ سنة 1884، ورغم تسجيل قضية الصحراء الغربية لدى اللجنة الرابعة للأمم المتحدة بصفة “قضية تصفية استعمار” منذ سنة 1963 إلاّ أنّ نصف قرن كان كفيلا بتحطيم هذا الشعب وتدميره من قبل الاستعمار المغربي.
وذكرت الصحفية بأن الصحراء الغربية كانت مستعمرة من قبل المملكة الإسبانية وكانت ضمن تقسيم القوى الاستعمارية للعالم العربي في اتفاقية برلين لسنة 1884. وظلّت مستعمرة إلى غاية انسحاب إسبانيا نهائيا من الصحراء في 26 فيفري/ فبراير 1976.
وفي سردها لتاريخ الصحراء الغربية أشارت ذات المتحدثة إلى أن المقاومة الصحراوية كانت قبل ذلك في صراع مع الاستعمار البرتغالي والبريطاني، ما أسّس للحركة الطليعية لتحرير الصحراء سنة 1968 من طرف زعيمها محمد سيد ابراهيم بصيري والتي تمّ تصفيتها في 17 جوان/ يونيو 1970 مع أحداث انتفاضة الزملة أين تم اعتقاله و تصفية أغلب القيادات وهذا ما دفع إلى تأسيس جبهة البوليساريو (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) في 10 ماي 1973.
في الأثناء قامت المملكة المغربية بالاجتياح العسكري منذ 31 أكتوبر/تشرين الأول 1975 بعد أن تمّ الإعلان في اتفاقية مدريد عن تقسيم البلد الصحراوي بين المملكة المغربية والجمهورية الاسلامية الموريتانية في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 أي بعد أيّام قليلة من المسيرة الخضراء، تضيف الكاتبة.
وأفادت الصحفية:”مثّل المسيرة الخضراء التي امتدّت من 6 إلى 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 والتي شارك فيها 350 ألف مغربي/ة بالنسبة الى الشعب المغربي الملحمة الكبرى التي لبّى فيها الشعب نداء النظام عائدا بالنصر ضدّ الاحتلال الإسباني، لكنّها في الحقيقة كانت وباء على المجتمع الصحراوي، حيث تمّت ابادته وتشريده وردمه”.
في 27 فيفري/ فبراير 1976، أي بعد يوم واحد من انسحاب إسبانيا، قرّر الشعب الصحراوي الإعلان عن قيام الدولة الصحراوية تحت اسم رسمي وهو “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”. وبعد ذلك الإعلان بثلاث سنوات وقّعت الجمهورية الإسلامية الموريتانية اتفاقية سلام مع جبهة البوليساريو انسحبت بموجبها من الإقليم لتصبح المغرب وحيدة في الصراع.
عادت الصحفية لتتحدث مرة أخرى عن الغالية التي أيرزت أنها نشأت على حكايات الأقارب المليئة بقصص الإبادة والتشرّد، ورغم أنّها من مواليد مدينة أكادير المغربية إلاّ أنّها كانت تعتبر نفسها لاجئة تنتظر بحرقة الالتحاق ببلدها الأصلي وهو الصحراء الغربية.
وكان التحاق الغالية بالتنظيم السياسي لجبهة البوليساريو في أواخر سنة 1983، وهي من النساء اللاتي تمّ استهدافهن وخطفهن سنة 1987 لإسكات كلّ نفس صحراوي ينوي المطالبة بالاستقلال أمام بعثة الأمم المتحّدة وفق قولها.
“كانت حساباتنا خاطئة واعتبرنا أنّ المملكة المغربية لن تقدم على ما أقدمت عليه سابقا في غياب الصحافة والمنظمات الحقوقية، فالإقليم كان تحت حصار عسكري أمني إعلامي ولا يوجد فيه شيء سوى القمع وإرهاب الدولة”، وكانت البعثة قادمة يوم 20 نوفمبر 1987.
لكن ما لم يكن في الحسبان أن يبدأ النظام المغربي في الاختطاف والتنكيل بداية من يوم 17 نوفمبر 1987 ليطلق سراحهم في وضع كارثي، وكانت هذه الرسالة قوية منه لأهالي المعتقلين، ورغم ذلك لم نصدّق الوعيد وتهيّأنا يوم قدوم البعثة لكن الحظّ لعب لصالح المخزن.
كما أكدت ذات الصحفية أن قصّة الغالية لا تختلف عن قصص المختطفات والمختطفين الذين لحقوها، فهي كانت أول مختطفة لذلك اليوم وكانت سيّارة اللاند روفر تقف بعد كل مسافة لحمل الممرضين/ات ومجموعة من الكوادر الطبية الذين كانوا ضمن القائمة السوداء.
زُجّ بالمعتقلين في الثكنة التي ستقضي فيها الغالية 3 سنوات و7 أشهر، وهي ثكنة “البيسي سيمي”، التي كانت حظيرة للخنازير في عهد الاستعمار الإسباني، وأصبحت بداية من 1976 وفق تقارير حقوقية، مخبأ للاختطاف القسري، لتنقلب هناك حياة الغالية رأسا على عقب وانتقلت من موظّفة مُترفة إلى معتقلة معصوبة العينين طيلة السنوات الثلاثة.
كانت قاعة ذبح خنازير الاسبان في ثكنة “البيسي سيمي” هي ذاتها قاعة تعذيب الصحراويين مع النظام المغربي، هناك قُيّدت قدَمَا ويدَا الغالية بحبل منفرد وربطت على طاولة خشب ذات أربع أرجل حديدية.
وكانت الغالية معصوبة العينين أيو وضعوا على وجهي خرقة مبلّلة نتنة، تذوّقت من الخرقة طعم الكبريت، البول، مولد تنظيف، جافال وملوحة كثيرة.. كانوا يسكبون الخليط على الخرقة فيدخل في عينها وفمها وأنفها وما إن تختنق حتى يصفعها الرجل ويضع المسدس على رأسي وصدري ويهددني بالقتل.
يوم اعتقال الغالية كان جنرالات المخابرات المغربية يرتعون في المكان ويحاصرونه من كل جانب، حيث تمّ اقتيادها لفيلا صالح زمراك، وهو كما ذكرت الغالية، مصمّم الاختطافات التي حصلت في أواخر 1975 ابتداء من مدينة طانطان التابعة لجهة كلميم واد نون جنوب المغرب وصولا إلى مدينة العيون، لمقابلة عامل العمّال حفيظ بن هاشم اليد اليمنى لوزير الداخلية آنذاك إبراهيم البصري.
كانت المقابلة على الساعة العاشرة ليلا من يوم الاختطاف، طُلب فيها من الغالية التعاون مع المخابرات المغربية في مقابل إطلاق سراحها وسراح والدتها التي اختطفت في 04 أفريل/ أبريل 1984.
عادت الغالية مثقلة بمهام لا يمكن إتمامها وما إن دخلت حتى اقتيدت إلى قاعة التحقيق وكان التحقيق هذه المرّة “محترما”، فقد أزالوا العصابة من فوق عينيها ووضعوا لها كرسيّا للجلوس، فالتحقيق الآن مع مسؤول الإدارة العامة للشؤون الترابية عبد العزيز علابوش الذي جاء خصيصا رفقة حفيظ بن هاشم من الرباط للقضاء على القضية الصحراوية وفق شهادة الغالية.
كان أمام الغالية ساعتان اثنتان، إمّا أن تتحصّل فيهما على الإفراج أو أن تنتقل إلى جحيم آخر، ولعبت الدقيقة الأخيرة من الساعتين ضدّ مصلحتها إذ لم يقتنع علابوش بإجاباتها فأحيلت إلى التعذيب بالكهرباء.
ككلّ المعتقلين/ات، مرّت الغالية بمخبأ (Bataillon de intervencion Rapida)، إذ من جحيم “البيسي سيمي” انتقلت في اليوم الثالث إلى ثكنة بيير وهي أيضا ثكنة للاستعمار الاسباني توجد على حافة شاطئ فم الواد بإقليم العيون.
“أذكر لمّا أخذونا في اليوم الثالث إلى هذه الثكنة التي تقع على حافة فم الواد. أنزلونا على الشاطئ، وبما أنّ قدماي كانت منتفختين من آثار الضرب فقد أوقعت فردتيْ الصندل من قدميّ ووضعتهما على الرمل بمجرّد سماع هدير الموج، فأمرني أحد الحراس بأن ألبسه وكنت في تلك اللحظات لا أستذكر سوى قصص الأقارب والأصدقاء الذين كلّما كانت أمّي تسألهم عن أحد معارفها من البادية يجيبونها بأنّ المغاربة دفنوهم أحياء في حفر ومرّوا عليهم بالتراكس.”
لم تكن ذكريات الغالية والتعذيب الجسدي والنفسي وضربها عارية بالمتراك والاستهزاء بها أكثر رعبا من قضية السالكة عيّاش وابنها محمد عيّاش الذي كلّفه رفض كلمة “الصحراء المغربية” حياته.
تلك القضية التي رسخت في ذهن الغالية إلى الآن، قضية المرأة التي صنعوا من جثّة ابنها مرحاضا والذي قام رفاقه ورفيقاته بقضاء حوائجهم دون دراية فوق فلذة كبدها الوحيد إلى أن غادر الحياة.
ليديا كبيش




