لم تعد الإجابة عن سؤال “أين نحن من إفريقيا؟ “كما كانت قبل سنوات، إذ أصبحت الجزائر، في 2026، أمام واقع اقتصادي جديد تتوافر فيه بنية تحتية جنوبية، وموانئ وطرق وسكك حديدية، ومناطق حرة، ورقمنة للتجارة الخارجية، وشراكات مع موريتانيا ودول الساحل، إلى جانب استراتيجية للتصدير خارج المحروقات.
ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في مساهمة لـ “شرشال نيوز”، أن الصورة بدأت تتغير، غير أن الفجوة لا تزال قائمة بين الإمكانات المتاحة والنتائج التجارية الفعلية، وهو ما يجعل السؤال أكثر دقة: هل نحن بصدد بناء بوابة جزائرية حقيقية نحو إفريقيا أم نكتفي ببناء الطريق إليها؟
ومن هذا المنطلق، يوضح تيغرسي أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لم تعد فكرة مستقبلية، إذ دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ سنة 2019، وبدأت التجارة في إطارها منذ جانفي 2021، وتقوم على التحرير التدريجي لنحو 90% من الخطوط التعريفية، مع ترتيبات إضافية للمنتجات الحساسة.
وبالتالي، فإن إفريقيا اليوم ليست سوقًا تنتظر الجزائر، بل إن السوق الإفريقية بدأت تتشكل فعليًا، ومن لا يبني موقعه فيها الآن سيجد نفسه مستقبلًا أمام منافسين سبقوه.
الجزائر لم تبدأ من الصفر
يؤكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن القول إن الجزائر لم تقدم شيئًا للانضمام إلى هذه السوق سيكون غير دقيق، مشيرًا إلى أن الجزائر وقعت الاتفاقية في كيغالي سنة 2018، وشرعت في إجراءات التصديق سنة 2020، وصدر قانون الموافقة على الاتفاقية في ديسمبر من السنة نفسها.
غير أن الأهم، بحسبه، هو أن السياسة الجزائرية بدأت تتحول تدريجيًا من الموقف الدبلوماسي تجاه إفريقيا إلى بناء أدوات اقتصادية ميدانية.
ويظهر ذلك، أولًا، في الانتقال من”عضوية الجزائر في إفريقيا” إلى “ربط الجزائر بإفريقيا”.
فالرهان الحقيقي لا يمكن أن يكون فقط على الاتفاقيات التجارية، لأن التجارة لا تتحرك بالاتفاقيات وحدها، وإنما تحتاج إلى طريق وسكة حديدية وميناء ومنطقة لوجستية وبنك وتأمين وجمارك سريعة ورقمنة وشركة قادرة على الإنتاج والتصدير.
وفي هذا السياق، بدأت الصورة الجزائرية تتغير، مع مشروع الطريق العابر للصحراء، وخطوط السكك الحديدية نحو الجنوب، ومشروع السكة الحديدية الجزائر–تمنراست، إضافة إلى خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الممتد على نحو 950 كلم بين بشار وبني عباس وتندوف وغارا جبيلات، وهي مشاريع يمكن أن تتحول من مشاريع نقل وطنية إلى ممرات اقتصادية إفريقية.
والأكثر أهمية، وفق تيغرسي، أن البنك الإفريقي للتنمية وصف مشروع خط الجزائر–تمنراست بأنه من مشاريع البنية التحتية «الأكثر تحويلاً» في إفريقيا، وربط أهميته مباشرة بتنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية.
ويعتبر الخبير أن هذا يمثل تطورًا جوهريًا في التفكير، إذ لم تعد الجزائر تنظر إلى الجنوب باعتباره نهاية الخريطة، وإنما باعتباره بداية الطريق نحو إفريقيا.
موريتانيا… من الجوار إلى البوابة الاقتصادية
ويعتبر الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن السياسة الجزائرية الجديدة بدأت تظهر بشكل ملموس على الحدود الجنوبية الغربية، التي أصبحت مختبرًا حقيقيًا لاستراتيجية التوسع الإفريقي.
فطريق تندوف–الزويرات، بحسبه، ليس مجرد مشروع طرق، بل يمكن أن يصبح ممرًا تجاريًا يربط الإنتاج الجزائري بالأسواق الموريتانية، ومنها إلى فضاء غرب إفريقيا.
وتؤكد وزارة الداخلية أن الجزائر تعمل على تعزيز المبادلات مع دول الجوار، وإنشاء المناطق الحرة التجارية في الولايات الجنوبية، بالتوازي مع مشروع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات.
وتعطي الأرقام الميدانية إشارة إلى انتقال النشاط من الخطاب إلى الحركة التجارية؛ ففي أفريل 2026 أُطلقت من تندوف عملية تصدير 33 شحنة من المنتجات الجزائرية نحو موريتانيا.
والأهم أن الجزائر وموريتانيا بحثتا في أفريل 2026 استكمال الاتفاق التجاري التفضيلي وتسهيل المبادلات بين البلدين.
وفي ماي، بلغ عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة خلال معرض المنتجات والخدمات الجزائرية بنواكشوط 52 اتفاقية، شملت الصناعة والمناجم والكابلات الكهربائية والصناعات الميكانيكية والصحة والخدمات والهندسة وغيرها.
وهنا تحديدًا، يرى الخبير الاقتصادي تيغرسي أن العلاقة مع موريتانيا يجب أن تُقرأ من زاوية أوسع؛ فالهدف ليس أن تُصدر الجزائر شاحنات محملة بالسلع إلى نواكشوط فقط، وإنما بناء شبكة إنتاج وتوزيع وتمويل وخدمات جزائرية تمتد من الجزائر إلى موريتانيا ومنها إلى العمق الإفريقي.
الإصلاح الحقيقي يبدأ داخل الجزائر
ويعتبر الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن هذه النقطة ربما تكون الأهم في الموضوع، إذ لا يمكن الحديث عن إفريقيا بينما يبقى المصدر الجزائري يواجه بيروقراطية داخلية طويلة.
ومن هنا، يمثل مشروع الشباك الوحيد الرقمي للمصدرين خطوة مهمة، إذ أعلنت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات أن الهدف هو تبسيط ورقمنة وتسريع إجراءات التصدير، وربطها بسياسة توسيع دخول المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الإفريقية.
ولا يرى الخبير الاقتصادي تيغرسي أن هذه المسألة تقنية فقط، فالشباك الواحد يعني تقليص تكلفة المعاملة التجارية.
وفي اقتصاد عالمي شديد المنافسة، قد لا تكون المشكلة في سعر المنتج الجزائري، وإنما في مدة الحصول على الوثائق، وإجراءات الجمارك، وشهادات المطابقة، وشهادة المنشأ، والتمويل، والنقل، والتأمين، وآجال تحويل الأموال، وتعدد المتدخلين الإداريين.
وبالتالي، قد يكون المنتج الجزائري قادرًا على المنافسة داخل المصنع، لكنه يخسر المنافسة على الحدود.وهذا، بحسبه، هو الاختبار الحقيقي للإصلاح.
شهادة المنشأ… جواز عبور للمنتج الجزائري
ويشير الخبير الاقتصادي تيغرسي إلى أن قواعد المنشأ تصبح مسألة استراتيجية في منطقة التجارة الحرة الإفريقية، إذ إن الامتياز الجمركي لا يعني أن أي منتج موجود في الجزائر سيحصل تلقائيًا على معاملة تفضيلية، بل لا بد من إثبات المنشأ وفق القواعد المعتمدة.
ولهذا، فإن تطوير نظام جزائري فعال لقواعد المنشأ وشهادات المنشأ والرقمنة والتبادل الإلكتروني للوثائق سيكون عاملًا حاسمًا في استفادة المؤسسات الجزائرية من السوق القارية.
وتوضح وزارة التجارة أن شهادة المنشأ تستخدم لإثبات منشأ السلع والاستفادة من المزايا والتفضيلات التعريفية.
ويرى الخبير أن المطلوب يجب أن يتجاوز ذلك إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمنتجات القابلة للتصدير إلى إفريقيا، مرتبطة بقواعد المنشأ لكل سوق، حتى يعرف المصدر الجزائري مسبقًا ماذا يستطيع أن يصدر، وبأي شروط، وإلى أي بلد، وبتكلفة كم.
الدبلوماسية التجارية… من المعارض إلى الصفقات
ويعتبر تيغرسي أن استضافة الجزائر للنسخة الرابعة من المعرض التجاري الإفريقي البيني IATF 2025 لم تكن مجرد تظاهرة، إذ جمع المعرض أكثر من 2000 عارض ومشارك، وانتهى بإعلانات عن صفقات تفوق 48.3 مليار دولار، منها أكثر من 11.4 مليار دولار لصالح الجزائر وفق المعطيات الرسمية.
كما اعتبر الاتحاد الإفريقي المعرض منصة رئيسية للتجارة والاستثمار والابتكار والتعاون الصناعي الإفريقي، وقرر ترسيخ دوره كمنصة داخل إطار منطقة التجارة الحرة القارية.
لكن ذلك، وفق تيغرسي، ليس النهاية، لأن الصفقة الموقعة ليست صادرات، والاتفاقية ليست مصنعًا، ومذكرة التفاهم ليست رقم أعمال.
ويتمثل المعيار الحقيقي في عدد العقود التي تحولت إلى استثمارات، وعدد مذكرات التفاهم التي تحولت إلى صادرات، وعدد الشركات الجزائرية التي حافظت على وجودها في السوق الإفريقية بعد انتهاء المعرض.
وهنا، ستكون المرحلة المقبلة أكثر صعوبة.
من الساحل إلى غرب ووسط إفريقيا
وإذا كانت موريتانيا تمثل البوابة الغربية، فإن الرؤية الجزائرية، بحسب تيغرسي، يجب ألا تتوقف عندها.
فالهدف الاستراتيجي ينبغي أن يكون بناء محور اقتصادي جزائري–موريتاني–غرب إفريقي، ومحور جنوبي نحو مالي والنيجر وتشاد، مع تطوير الربط اللوجستي والبنكي والرقمي.
غير أنه يميز بين التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الجزائر تمتلك علاقات تاريخية وسياسية قوية مع دول الساحل، لكن المطلوب اليوم هو تحويل هذه العلاقات إلى عقود تجارية طويلة الأجل، ومشاريع صناعية مشتركة، وشركات جزائرية مقيمة في إفريقيا، وبنوك وتمويل تجاري، وشركات نقل ولوجستيك، وخدمات صحية وتعليمية ورقمية، وتجارة إلكترونية، ومناطق إنتاج وتوزيع مشتركة.
فإفريقيا، بحسبه، لا تحتاج فقط إلى أن تشتري المنتجات الجزائرية، بل تحتاج أيضًا إلى أن تُنتج الشركات الجزائرية داخل إفريقيا.وهذا هو الانتقال من التصدير إلى الاستثمار.
الإنتاج ..التحدي الأكبر
وهنا يصل تيغرسي إلى جوهر القضية، معتبرًا أن منطقة التجارة الحرة القارية قد تكون فرصة ضخمة للجزائر، لكنها في الوقت نفسه قد تكون اختبارًا تنافسيًا قاسيًا للصناعة الوطنية.
فإذا خفضت إفريقيا الرسوم الجمركية، فإن السوق الجزائرية نفسها تصبح أكثر انفتاحًا على المنتجات الإفريقية.
وعليه، فإن السؤال ليس فقط حسب الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي هل تستطيع الجزائر تصدير منتجاتها إلى إفريقيا؟ وإنما” هل تستطيع صناعتها المنافسة في سوق إفريقية مفتوحة؟”
ومن هنا تصبح سياسات دعم الإنتاجية والجودة والمطابقة والابتكار والتمويل والطاقة واللوجستيك والرقمنة جزءًا من السياسة الإفريقية للجزائر.فالسياسة الإفريقية الحقيقية تبدأ داخل المصنع الجزائري.
من تصدير المواد الأولية إلى تصدير القيمة المضافة
ويرى تيغرسي أن هذه النقطة قد تكون أهم فرصة جزائرية، بالنظر إلى امتلاك الجزائر موارد هائلة في الطاقة والمناجم والزراعة، غير أن الرهان الجديد يجب أن يكون على تحويل هذه الموارد إلى منتجات صناعية.
فغارا جبيلات، مثلًا، لا ينبغي أن يُقرأ فقط كمشروع لاستخراج الحديد، وإنما كجزء من سلسلة تبدأ من خام الحديد، ثم التحويل، والفولاذ، والمنتجات نصف المصنعة، والصناعات التحويلية، وصولًا إلى التصدير الإفريقي.
والفوسفات أيضًا يجب ألا ينتهي عند تصدير الخام، بل ينتقل من الفوسفات إلى الأسمدة، ثم الصناعات الكيميائية، فالمنتجات الزراعية والتقنية، وصولًا إلى الأسواق الإفريقية.
وهنا تصبح الجزائر قادرة على بناء سلاسل قيمة إفريقية بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.
إفريقيا الرقمية
ويشير الخبير الاقتصادي إلى بُعد جديد لم يكن موجودًا بهذا الوضوح في السابق، يتمثل في التجارة الرقمية.
فالقارة تتجه إلى بناء قواعد للتجارة الرقمية والمدفوعات العابرة للحدود، بينما تعمل منطقة التجارة الحرة الإفريقية على تطوير أدوات رقمية لتسهيل التجارة.
وفي 2026 أصبح موضوع التجارة الرقمية والبنية التحتية الرقمية جزءًا أساسيًا من تنفيذ منطقة التجارة الحرة، مع توجه إفريقي نحو النوافذ الرقمية والتكامل بين الأنظمة الجمركية والتجارية.
ويرى الخبير اللاقتصادي هواري تيغرسي أن الجزائر تمتلك فرصة مهمة في هذا المجال، بفضل توسع البنية الرقمية والألياف البصرية ومشاريع مراكز البيانات والتحول الرقمي.
لكن المطلوب، بحسبه، هو الانتقال من رقمنة الإدارة الجزائرية إلى رقمنة التجارة الجزائرية–الإفريقية.
أي أن يصبح المصدر في تمنراست أو وهران قادرًا على إنهاء جزء كبير من معاملته التجارية مع نواكشوط أو نيامي أو غيرهما إلكترونيًا.
الجزائر في قلب افريقيا
يؤكد تيغرسي أن الإجابة عن السؤال القديم «أين نحن من إفريقيا؟» لم تعد كما كانت قبل سنوات، فالجزائر اليوم تملك عناصر لم تكن مجتمعة بهذا الشكل سابقًا: تصديق قانوني على ZLECAF، وبنية طرق جنوبية، ومشاريع سكك حديدية، ومناطق حرة، وموانئ، ورقمنة للتجارة الخارجية، وسياسة لتنويع الصادرات، وعلاقات متقدمة مع موريتانيا ودول الجوار، وتنظيم أكبر التظاهرات التجارية الإفريقية، ومشاريع صناعية ومنجمية قابلة للتصدير.
لكن ذلك لا يعني أن الجزائر وصلت، بل يعني أنها بدأت في بناء شروط الوصول.
والسؤال الحاسم الآن هو متى تتحول هذه البنية إلى أرقام صادرات واستثمارات وشركات جزائرية موجودة بشكل دائم في إفريقيا؟
فالخطر ليس أن تفشل الجزائر في دخول إفريقيا، وإنما أن تنجح إفريقيا في بناء سوقها الموحدة بينما تدخلها الشركات الصينية والتركية والهندية والأوروبية والخليجية بسرعة أكبر من دخول الشركات الجزائرية.
لذلك، تحتاج المرحلة المقبلة إلى”خطة إفريقية جزائرية 2030″ واضحة، لا تكتفي بأهداف عامة، وإنما تحدد 20 سوقًا إفريقية ذات أولوية، و100 منتج جزائري قابل للتصدير، وممرات لوجستية محددة نحو غرب ووسط إفريقيا، وبنوكًا وتمويلًا وتأمينًا للصادرات في القارة، ومناطق توزيع ومخازن جزائرية داخل الأسواق الإفريقية، وشركات جزائرية تستثمر داخل إفريقيا وليس فقط تصدر إليها، ومنظومة رقمية موحدة للتصدير، وتسريع إجراءات شهادة المنشأ وقواعد المنشأ، وربط المناطق الحرة الجنوبية بالممرات الإفريقية، وتحويل المشاريع المنجمية والصناعية الكبرى إلى قاعدة للصادرات ذات القيمة المضافة.
وبعبارة اقتصادية أكثر وضوحًا، فإن الجزائر لم تعد أمام سؤال “هل ننضم إلى إفريقيا؟”، فقد انضممنا قانونيًا وسياسيًا. نحن الآن أمام السؤال الأصعب، هل نستطيع أن ننتقل من عضو في السوق الإفريقية إلى لاعب مؤثر فيها؟
والفارق بين الاثنين هو الإنتاج، واللوجستيك، والتمويل، والتكنولوجيا، والشركات، والقدرة على تحويل الجغرافيا الجزائرية إلى ميزة تجارية.
فإفريقيا ليست حلمًا للجزائر، ولكنها لن تتحول إلى فرصة إلا إذا امتلكنا القدرة على إنتاج ما تحتاجه إفريقيا، ونقله إليها، وتمويله، وتسويقه، والاستثمار داخل أسواقها.
وهنا تحديدًا تبدأ المعركة الاقتصادية الحقيقية للجزائر في إفريقيا.
مهدي الباز




