أقلامنا الأولى الوطني تحاليل وآراء

استهداف الجزائر عبر الفضاء الرقمي.. عمليات استخباراتية معادية لضرب مصداقية الجيش الوطني الشعبي

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُخاض فقط بالجيوش والعتاد، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر خطورة وتعقيدًا، في مقدمتها الفضاء الرقمي، حيث تُدار المعارك بصناعة الإدراك العام وتوجيه الرأي، وتُصاغ الأكاذيب في غرف مظلمة قبل أن تُطلق في شكل أخبار مضلّلة تستهدف الدول من الداخل. وفي هذا السياق، تتعرّض الجزائر لحملات ممنهجة تقودها أجهزة استخبارات معادية، تعتمد على استغلال الإنترنت كأحد أخطر مسارح الحروب الحديثة، بهدف ضرب مؤسسات الدولة والتشكيك في عقيدتها الأمنية والعسكرية، عبر صناعة «الفايك نيوز» وترويجها بأساليب احترافية خادعة.

فالجزائر، بعد أن أصبحت عصية على كل المحاولات اليائسة لأعدائها، دفعتهم إلى البحث عن أدوات بديلة أقلّ كلفة وأكثر تأثيرًا، عبر صياغة استراتيجيات استخباراتية معقّدة تقوم على فبركة الأخبار الكاذبة، وترويج الإشاعات، وصناعة سرديات مشبوهة تستهدف مؤسسات الدولة وأمنها واستقرارها، في محاولة لضرب الثقة وزعزعة الاستقرار النفسي للمجتمع.

وفي خضم ما يشهده الجوار الجزائري، لا سيما منطقة الساحل الإفريقي، من تجاذبات أمنية حادة وتنافسات جيوسياسية متصاعدة، وجدت الجزائر نفسها، مجددًا، في مرمى حملة إعلامية مشبوهة تستهدف التشكيك في عقيدتها العسكرية ومواقفها الإقليمية المتوازنة.

فقد نشرت بعض الوسائط الإلكترونية ومنصّات التواصل الاجتماعي، نقلًا عن موقع يُدعى «ساحل إنتلجنس»، مزاعم تفيد بأن الجيش الجزائري أنشأ «وحدة من المرتزقة» لتنفيذ عمليات سرية في منطقة الساحل، وهي اتهامات بالغة الخطورة، بالنظر إلى مكانة الجزائر كدولة إقليمية محورية في محيطها الجيوسياسي، ما يجعل من هذه الإشاعات محاولة واضحة للنيل من سمعتها وسمعة جيشها، الذي يُعد جيشًا احترافيًا ذا عقيدة عسكرية دفاعية ذات مرجعية نوفمبرية خالصة، بعيدة كل البعد عن مثل هذه الادعاءات الكاذبة.

ولا يمكن فصل هذه المزاعم عن سياقها الحقيقي، باعتبارها جزءًا من حرب إدراكية تستهدف تشويه صورة الجزائر كقوة استقرار، ومحاولة كسر الإجماع حول دورها المتزن في معالجة أزمات المنطقة. فحين تفشل محاولات الاستهداف المباشر، تلجأ الأطراف المعادية إلى سلاح الإشاعة، باعتباره أداة فعّالة لبث الشكوك وضرب المصداقية، خاصة عندما تُغلَّف هذه الأكاذيب في قوالب إعلامية توهم بالاحتراف والمصداقية.

ويُمكن قراءة هذا الافتراء على أنه محاولة مباشرة للنيل من العقيدة العسكرية الجزائرية، التي تجعل من الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، مؤسسة تحظى باحترام كبير، لكونها جيشًا دفاعيًا يؤدي مهامه في إطار دستوري، ووفق ما تمليه قوانين الجمهورية، وبانسجام تام مع سياسة الدولة ومبادئها الثابتة القائمة على حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية.

كما تُعد هذه الافتراءات محاولة لتشويش سياسة الدفاع الوطني والاستراتيجية الدفاعية التي تنتهجها القيادة العليا للبلاد، والتي أثبتت قدرتها على التكيّف مع مختلف المتغيّرات الحاصلة في البيئتين الإقليمية والدولية، دون المساس بجوهر عقيدة الدفاع الوطني، باعتبارها عقيدة دفاعية خالصة.

وتُشكّل هذه العقيدة الوطنية المحرّك الفعلي للسلوك الخارجي للجزائر، وتجعل منها دولة صانعة للسلم والسلام، وفاعلًا إقليميًا يُقدّم الحلول السياسية على منطق القوة، ويُرافع باستمرار من أجل الاستقرار بدل تغذية الصراعات.

وبالعودة إلى كيفية تعاطي الجزائر مع مختلف التهديدات الأمنية، خاصة بعد أحداث «الربيع العربي» وما أفرزته من تداعيات خطيرة في منطقة الساحل، عقب سقوط نظام القذافي، وتنامي الفوضى في الجوار الإقليمي، وتحوّل عدد من دول الساحل إلى بؤر هشّة بفعل الانقلابات العسكرية وانتشار الجماعات الإرهابية والمسلحة، إضافة إلى التدخّلات العسكرية الأجنبية، يتّضح أنّ الجزائر تعاملت مع هذا المشهد المعقّد بفطنة وذكاء، والتزمت بحلول أمنية منسجمة مع عقيدتها الدفاعية.

ففي عام 2012، تعرّض دبلوماسيون جزائريون للاختطاف والقتل في مالي، ولم تلجأ الجزائر إلى منطق الانتقام، رغم امتلاكها كل القدرات التي تلجأ إليها بعض الدول عبر تشكيل وحدات غير نظامية أو ميليشيات مسلحة. كما أنه في عام 2013، واجهت الجزائر هجومًا إرهابيًا خطيرًا استهدف منشأة الغاز في تيغنتورين، إحدى أهم المنشآت الحيوية في البلاد، وهي الحادثة التي كادت أن تدخل الجزائر في أخطر أزمة أمنية في تاريخها، خاصة في ظل وجود رهائن أجانب، إلا أن الرّد كان حازمًا ومؤسساتيًا، من خلال تدخّل مباشر لوحدات خاصة تابعة للجيش الوطني الشعبي، دون اللجوء إلى أيّة حلول غير مشروعة.

وتؤكّد مواقف الجزائر الثابتة رفضها القاطع للتدخلات العسكرية كوسيلة لحلحلة الأزمات، وتمسّكها بالحلول السياسية والسلمية، بعيدًا عن منطق السلاح الذي لا يزيد الأوضاع إلا تعقيدًا وتأزمًا. كما عارضت الجزائر، حتى مع حلفائها الاستراتيجيين، الاعتماد على المرتزقة في التعاطي مع المتغيرات الجيوسياسية، في انسجام واضح مع مبادئ السيادة الوطنية وثوابت عقيدتها العسكرية.

إن استهداف الجزائر من خلال التضليل الإعلامي وعبر الفضاء الرقمي لن يزيدها الا قوة وخبرة في تعاطيها مع مختلف أشكال الحروب التماثلية اللاتماثلية كما حدث في الماضي حيث واجهة عدوا تقليديا و هزمته وعدو غير تقليدي “الإرهاب”و هزمته، مجسّدة حقيقة ثابتة وهي الجزائر القوية المنتصرة و القادرة اليوم على إفشال واحباط أي نوع من الحروب الجديدة بأدوات الوعي واليقظة والاستباق، وايضا بثبات دولة تعرف تاريخها، وتثق في مؤسساتها، وتدافع عن أمنها القومي دون أن تحيد قيد أنملة عن مبادئها النوفمبرية الخالدة.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام