الأولى الوطني عاجل

اختتام ملتقى الجزائر الدولي الإمام المغيلي: “روابط هوياتية ودينية تربط الجزائر بعمقها الإفريقي وتأكيد على الاستمرار في خدمة القارة السمراء

سجّل العلامة و الامام محمد بن عبد الكريم المغيلي “اسمه في التاريخ كأحد العلماء الأجلاء بما قام به من أدوار بارزة في المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال القرن 15 الميلادي في افريقيا، ويعدّ الشيخ الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني (1425-1504) من كبار العلماء الجزائريين وقد حظي بمكانة مرموقة داخل الوطن وخارجه خصوصا ببعض بلدان القارة الافريقية مثل مالي والنيجر ونيجيريا بفضل مواقفه التاريخية الشجاعة ، وفي هذا السياق انعقد بالجزائر العاصمة ملتقى الجزائر الدولي حول الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي لاحياء مسار و دور الشيخ في نشر الإسلام في إفريقيا وإبراز قيم الحوار والتسامح التي ميزت الخطاب الديني الوسطي ….

وجرت فعاليات ملتقى الجزائر الدولي حول الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي بقصر المؤتمرات الدولي “عبد اللطيف رحال”، يومي 12 و13 ديسمبر الجاري، وسمح الملتقى الذي ينعقد تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية ، ومن تنظيم وزارتا التعليم العالي والبحث العلمي والشؤون الدينية والأوقاف في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الـ60 لعيد الاستقلال لاحياء مسار و دور الشيخ المغيلي في نشر الإسلام في إفريقيا وإبراز قيّم الحوار والتسامح التي ميّزت الخطاب الديني الوسطي لهذا العالم الجزائري الذي اشتهر بالمناظرات العلمية و بالترحال في بلدان العالم الاسلامي وما وراء الصحراء الافريقية ناشرا للاسلام.

الملتقى يلتئم بمشاركة واسعة

و شارك في هذه التظاهرة أساتذة جامعيون وباحثون مختصون في مجال التراث الإسلامي من أكثر من 20 دولة منها نيجيريا، مالي، فلسطين، السنغال، بوركينافاسو، باكستان، الهند والعراق. وتطرقت المداخلات المبرمجة خلال الملتقى العلمي إلى عدة محاور على غرار “الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي: السيرة و المسيرة” , “البعد الإصلاحي التحرري في الفكر المغيلي وامتداداته الإقليمية والدولية”, “الفكر السياسي لدى الامام المغيلي: مشروع رائد في بناء الدولة و إرساء لأولى ركائز الحكم الراشد” ، “مقاربة المغيلي للوحدة والسلام في افريقيا رسائل هادفة ونصائح خيرة في خدمة الانسانية” .

محمد المغيلي… حضور اصلاحي رائد في منطقة الساحل وغرب إفريقيا

العلامة الشيخ محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني (790هـ – 1425م تلمسان – 909هـ – 1504م أدرار) هو عالم وفقيه جزائري من مدينة تلمسان في أواخر عهد مملكة بني زيان ، كان له دور كبير في نشر الإسلام في أدغال وممالك أفريقيا ، وقد أكد علماء وباحثون مختصون في التراث الإسلامي جزائريون و أجانب، على الدور الرائد لهذا العلامة في “نشر الإسلام الصحيح في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل” اعتمادا على رؤية إصلاحية شاملة تهدف “للحوكمة واستقرار المجتمعات الإفريقية ووحدتها”. وقال رئيس الملتقى، محمد حسوني، أن الإمام المغيلي كان “رجلا مصلحا وفاتحا عظيما به عرفت جل شعوب إفريقيا الكثير من وجهتها الصحيحة نحو الإسلام وبه سحقت الأفكار الهدامة التي طبعت تلك المرحلة من حياة القرن .
من جهته اكد أمير إمارة كانو، شيخ الطريقة القادرية بنيجيريا، الحاج أمينو أدو باييرو، على “المكانة العلمية والدينية المرموقة” للإمام المغيلي و “مساهمته الفعالة في انتشار الإسلام غرب إفريقيا ومنهجه الوسطي وتركه لمآثر عديدة في عموم إفريقيا ينبغي استحضارها”.وقال الشيخ أنه “من الضروري استحضار مواعظ وأفكار العلامة المغيلي الإصلاحية الذي عاش في رحاب مدينة كانو النيجيرية لمدة 20 عاما معلما ومفتيا”.

وكان قد أجمع باحثون وعلماء من عدة بلدان إفريقية، على أن الحضور الديني والفكري للإمام المغيلي “تاريخي” و”رائد” في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

و قال الأكاديمي من جامعة “باييرو بكانو” بنيجيريا، أحمد مرتضى، وهو أيضا رئيس سابق لرابطة علماء وأئمة ودعاة الساحل، أن المغيلي “إمام كبير وشخصية فذة وعالم جزائري وإفريقي” ، لافتا إلى أنه “ذهب إلى شمال نيجيريا ومكث هناك عدة سنوات وقد عرف بكونه رجلا مسالما وبنشره لثقافة السلم والتسامح”. مضيفا أن هذا العلامة “أصلح ذات البين بين إمارتين متخاصمتين في المنطقة، كما أسلم على يديه الكثير من النيجيريين الذين كانوا على الوثنية والكفر وهذا بطريقة سلمية وحضارية ومن دون أي عنف” ، مشدّدا على أن “كل الأوساط العلمية في نيجيريا يعرفونه لحضوره العلمي الكبير”. و قال من جهته عضو رابطة دعاة كوديفوار والعضو بالمجلس الإيفواري الأعلى للأئمة والمساجد والشؤون الدينية، بابا كامارا، أن المغيلي “لم يرتبط بحدود معينة في حياته وإنما سعى للإصلاح والمساهمة في التقدم الفكري”، حيث أن “تأثيره كان شاملا ووصل إلى مالي ونيجيريا وبلدان أخرى تحاذي كوديفوار فوصل بذلك إليها”.

و أبرز الأمين العام للطريقة التيجانية من تشاد، عبد الباسط عبد الرحيم آدم، مساهمة الإمام المغيلي في تعزيز العلاقات مع حواضر إفريقية عبر حقب تاريخية طويلة، قائلا أن المغيلي “كان له دور أساسي في بناء الأنظمة السياسية في هذه المنطقة من إفريقيا والسودان الغربي”.

الرئيس تبون ..مبادئ الشيخ المغيلي تلهم في مواجهة العنف والتطرّف

في رسالة وجهها رئيس الجمهورية للمشاركين في الملتقى الدولي، أكد الرئيس تبون على ضرورة الاستلهام من مبادئ الشيخ المغيلي في بلادنا وعلى الخصوص منطقة الساحل الإفريقي ما يعنينا على مواجهة مختلف التحديات لاسيما الغلوّ والتطرّف بكل أشكاله” ، وأكّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على رهان الجزائر الجديدة على البعد الإفريقي، مستذكرا الروابط الهوياتية والدينية التي تربط الجزائر بعمقها الإفريقي على رأسها الطرق الصوفية، وتطرّق رئيس الجمهورية في رسالة وجّهها إلى المشاركين في ملتقى الجزائر الدولي “الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي”، إلى نشأة الإمام والتي ابتدأت من مرحلة التكوين العلمي عند ثلة من علماء الجزائر الأفذاذ في العهد الزياني ومنهم علامة الجزائر الشيخ عبد الرحمن الثعالبي وإمام تلمسان الشيخ سيدي محمد بن يوسف السنوسي وغيرهم.

وقال رئيس الجمهورية أن جهود الشيخ سيدي المغيلي أثمرت في نشر تعاليم الإسلام السمحة في القارة الإفريقية، حيث سجّل العلامة اسمه في التاريخ كأحد العلماء الأجلاء بما قام به من أدوار بارزة في المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وتطرّق رئيس الجمهورية إلى أثر الشيخ بالقول “حظي الإنتاج العلمي للشيخ المغيلي بالانتشار والاهتمام البالغ وأثر في ازدهار الفقه والتصوف وعلوم اللغة العربية وهو العالم الأشهر الذي سجل التاريخ آثاره في هذه البلاد، وأضاف” إن المشروع الإصلاحي المتكامل للإمام المغيلي لم يكتف بالبعد التعليمي والتربوي والدعوي بل امتد ليشمل مجالات الحوكمة الراشدة من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن الاجتماعي” ، وقال الرئيس أيضا ” من آثار المغيلي الاقتصادية والتنموية في بلاد توات تلك السوق الكبيرة والمشهورة بقصر سيدي يوسف التي كانت بمثابة قطب اقتصادي يربط إقليم توات بكثير من الأقاليم والبلدان” .

وتابع الرئيس ” لقد تمكّن الإمام المغيلي من الاستثمار في البعد الإفريقي واستطاع أن يكون أرضية للوفاق والتعاون البناء وإن الجزائر الجديدة تدرك بأن البعد الإفريقي يبقى خيارا استراتيجيا” ، وشدّد على ضرورة تعزيز العمل الدبلوماسي وتنشيط الساحة الدينية والاستفادة من عمق الطرق الصوفية وامتداداتها في إفريقيا، مؤكدا تمسّك الجزائر بتوجّهها نحو إفريقيا “إن الجزائر التي خدمت إفريقيا في ماضي عهدها ستواصل هذه المسيرة في حاضرها ومستقبلها مستلهمة كل ذلك من مجد الأسلاف والأجداد”.

الأبعاد الأربعة في شخصية الشيخ المغيلي

جمعت شخصية الشيخ، محمد بن عبد الكريم المغيلي، أربعة أبعاد رئيسية، حسب الدراسة التي اوردها الكاتب سيدي أعمر شيخنا اولها ” الرسوخ العلمي” حيث حاز بتصانيفه ومناظراته الإمامةَ في علوم الشريعة. ثانيا “المشيخة الصوفية” حيث كان القطب الأعلى للقادرية في الصحراء وبلاد السودان الغربي. ثالث الأبعاد تمثل في الفكر السياسي حيث ألَّف الشيخ المغيلي عدة رسائل في السياسة والحكم، لتبصير وترشيد الحكام المسلمين في المنطقة بأمور السياسة الشرعية، حيث كتب رسالتين لسلطان “كانو” (نيجيريا)، محمد بن يعقوب المعروف بـ”رمفا” (ت 1499هـ)، هما: الرسالة المسماة “تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين”، والرسالة المسماة “ما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام”(2). وفي دولة سنغاي (مالي)، كتب الشيخ المغيلي للسلطان محمد بن أبي بكر توري، المعروف بالأسكيا الحاج (توفي 1493هـ)، كتابًا مهمًّا في السياسة الشرعية في شكل أجوبة على أسئلة وجهها الأخير للشيخ المغيلي، وقد عرفت هذه الرسالة بـ”أسئلة الأسكيا وأجوبة المغيلي”. رابع الأبعاد التي جاءت في دراسة الكاتب والباحث سيدي أعمر شيخنا تمثلت في “النهج الثوري” حيث “أجاز الشيخ المغيلي في ذلك الوقت المبكر الجهاد ضد الحاكم الظالم الذي أصبح حكمه حكم الكافر والمخلِّط، ورأى المغيلي في الجهاد ضد هؤلاء أولوية على مجاهدة الكفار”، عكس أطروحات الفكر المشرقي الذي كان يتحرى تجنب الفتنة على رأي جماعة “نحن مع من غلب”، وكان من أهم أسباب الثورة ضد الاستعمار في غرب القارة.

هذه الأبعاد الأربعة: العلم، والتربية، والوعي السياسي، والفعل الثوري، أبعاد رئيسية ورثتها الغرب الإفريقي من تراث الشيخ المغيلي الذي شكَّل الإطار الناظم للحركة الفكرية في السودان الغربي. ومن هنا نفهم كيف تشكلت الأرضية الفكرية التي انطلق منها التصوّف في غرب إفريقيا لـيضطلع لاحقًا بأدوار سياسية وثورية إلى جانب أدواره العلمية التقليدية.

يعتبر المحدّد الديني والروحي اضافة إلى المحدّد الاقتصادي والتجاري بالإضافة إلى القرب الجغرافي والذاكرة التاريخية المشتركة من العناصر الهامة التي تتيح للجزائر تقوية حضورها في القارة السمراء، ومن خلال ملتقى الشيخ محمد المغيلي الذي شهد مشاركة افريقية واسعة تسعى الجزائر لإحياء وتمتين العلاقات بينها وبين جيرانها في العمق الإفريقي بفاعلية أكبر، مستعينة بالمحدّد الديني كاحد الإستراتيجيات الهادفة إلى محاربة الغلو والتطرّف وتعميم الفكر الوسطي واحلال السلام والاستقرار خصوصا في منطقة الساحل التي اكتوت بنار الارهاب .

وأكّدت التوصيات التي انبثقت عن جلسات العمل لمؤتمر المغيلي هذه الأبعاد والفرص المستقبلية للعمل الافريقي المشترك، انطلاقا من انشاء مركز بحث علمي باسم “مركز الامام المغيلي  للبحوث والدراسات الإفريقية والعربية” ليكون رافدا للتنمية في افريقيا، وكذا انشاء مؤسسة الإمام المغيلي الافريقية” لتكون حاضنة ثقافية للعلماء والنخب، ومعزّزة للفكر الوسطي المعتدل.

فايزة سايح

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام