أكد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، خلال إشرافه اليوم على أشغال لجنة المتابعة الجزائرية-التونسية بالعاصمة تونس، على ضرورة ترقية العلاقات بين الجزائر وتونس إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يحقق التنمية المندمجة اقتصاديًا والتوافق السياسي والاجتماعي بين البلدين.
وأوضح عطاف أن العلاقات الجزائرية-التونسية تمتد جذورها في تاريخ مشترك طويل، مشيرًا إلى أن الروابط بين الشعبين تجاوزت حدود المعاهدات والاتفاقيات لتشكل إرثًا قيمًا من التضامن والتعاون في مواجهة التحديات المختلفة. وشدد على أن الحفاظ على هذا الإرث والعمل على تطويره يشكل مسؤولية مشتركة للبلدين.
وأضاف الوزير أن التعاون بين الجزائر وتونس يشمل ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد السياسي والأمني، والبعد الاقتصادي، والبعد الإنساني. وفي المجال السياسي والأمني، نوه السيد عطاف بالتنسيق السياسي المنتظم بين البلدين والتوافق حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، بما في ذلك نصرة القضايا العربية والإسلامية ومكافحة الإرهاب وتعزيز اللحمة العربية والإندماج الإفريقي.
وفي الجانب الاقتصادي، سجل الوزير تطورات إيجابية في حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وتونس، حيث ارتفعت بنسبة 42% خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتصل إلى 2,3 مليار دولار سنة 2024، مؤكداً أن تونس تمثل الشريك التجاري الثاني للجزائر على المستوى الإفريقي. كما أشار إلى تنامي المشاريع الاستثمارية المشتركة التي تشمل قطاعات الطاقة، الصناعة، الزراعة، والصناعة الصيدلانية، إلى جانب قطاع الخدمات.
أما على المستوى الإنساني، فأكد الوزير عطاف أن تعزيز الروابط بين شعبي البلدين يشمل تسهيل حركة المواطنين والسياح، وتحسين النقل البري والجوي، واستئناف رحلات السكك الحديدية بين البلدين. وأشار إلى أهمية تطوير المناطق الحدودية باعتبارها نقاط التلاقي المباشرة بين المواطنين، والعمل على تحويلها إلى فضاءات للتعاون والازدهار المشترك.
وختم أحمد عطاف كلمته بالتأكيد على طموحات البلدين في رفع حجم المبادلات التجارية، وتعزيز الاستثمارات البينية، وتطوير الشراكات في مجالات الرقمنة، الروبوتية، النانو تكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، بما يعزز مكانة الجزائر وتونس في الاقتصاد العالمي الجديد.
النص الكامل لكلمة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف خلال إشرافه على أشغال لجنة المتابعة الجزائرية-التونسية
“بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين
صاحب المعالي والأخ الفاضل، السيد محمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج،
السيدات والسادة أعضاء وفدي بلدينا الشقيقين،
أيها الحضور الكريم،
إنه لمن دواعي الغبطة والسرور أن نعود إلى هذه الأرض الطيبة، وأن نَنْزِلَ في ضيافة أهلنا الذين نُكِنُّ لهم ونتقاسمُ معهم أنبلَ وأخلصَ وأنقى مشاعر المودة والمحبة والإخاء.
فلكم مني، معالي الوزير والأخ العزيز، أسمى عبارات التقدير والعرفان على ما أحطتمونا به من رِفْعَةِ الوَفَادَة وفائق العناية، وما أَغْدَقْتُمُوهُ علينا من كرم تونسي أصيل يَعْجَزُ اللسان عن وصفه.
في ظل هذا الجو العائلي الأصيل والمتأصل، تلتئم لجنتنا هذه، لجنةُ المتابعة الجزائرية-التونسية، في سياق التحضير للدورة الثالثة والعشرين للجنة المشتركة الكبرى المُقررِ انعقادُها يوم الغد بحول الله.
نلتئمُ بهدف تقييمِ ما قطعناه من أشواط، واستشرافِ ما ينتظرنا من محطات واستحقاقات على درب الارتقاء بعلاقاتِنا الثنائية إلى مَصَافِّ الشراكة الاستراتيجية التي أَقَرَّهَا قائدا بلدينا الشقيقين، الرئيس عبد المجيد تبون، وأخوه الرئيس قيس سعيد. شراكةٌ قِوامها التنميةُ المُنْدَمِجَة اقتصادياً، والتوافقُ المبدئي سياسياً، والترابطُ الإنساني اجتماعياً.
لكن، وقبل الخوض في غمار مختلف مضامين وأبعاد التعاون البيني، حَرِيٌّ بنا أن نستذكرَ معاً وأن نؤكدَ سوياً أن العلاقةَ الجزائرية-التونسية أكبرُ بكثير من أن يتم اختزالها في أي أرقام، أو أي مؤشرات، أو أي بيانات.
فالعلاقةُ بين بلدينا الشقيقين هي علاقةٌ نَسَجَتْهَا فصولُ تاريخِنا المشترك قبل أن تَصْقِلَهَا تضاريسُ الجوار الجغرافي،
والعلاقةُ بين بلدينا الشقيقين هي علاقةٌ رَسَّخَهَا التلاحم بين الشعبين الجزائري والتونسي قبل أن تُرَسِّمَهَا العهود والمواثيق،
والعلاقةُ بين بلدينا الشقيقين هي علاقةٌ مُحمَّلةٌ بإرثٍ مشترك يزخر بأبهى صور التضامن في مواجهة الشدائد والتحديات، وأرقى أوجه التآزر في تحقيق المطامح والتطلعات، وأعلى مراتب العمل جنباً إلى جنب من أجل صَوْنِ مصالحنا المُتبادَلة والمساهمةِ في ترقية الأمن والاستقرار والرخاء في جوارِنا وفضاءاتِ انتمائنا.
إن المسؤوليةَ الكبرى التي تقع علينا اليوم هي مسؤوليةُ الحفاظِ على هذا الإرث النفيس وَتَثمينِه، إرثُ شهداء أحداث ساقية سيدي يوسف سنة 1958، وإرثُ صانعي معاهدة الأخوة والجوار والتعاون سنة 1970، وإرثُ مهندسي معاهدة الأخوة والوفاق سنة 1983، وإرثُ الأجيال المتعاقبة من الجزائريين والتونسيين الذين آمنوا بحق أن العلاقة بين الجزائر وتونس هي علاقةٌ فريدة ومتفردة، علاقةٌ لا تُشْبِهُ سِوَاهَا، لا من حيث جوهرِها الوجداني، ولا من حيث مَكْمُونِها الثري، ولا من حيث مراميها ومقاصِدِها الرفيعة والنبيلة.
من هذا المنظور، فإننا نعتز أيما اعتزاز بالحركية اللافتة التي تشهدها العلاقات الجزائرية-التونسية في المرحلة الراهنة، وهي الحركية التي تتجلى في ثلاثِ أبعادٍ رئيسية: البعد السياسي والأمني، والبعد الاقتصادي، والبعد الإنساني.
أولاً، وفيما يخص البعد السياسي والأمني:
فإننا نسجل بكل ارتياح انتظامَ وتيرة التشاور السياسي والتنسيق البيني، وهي الوتيرةُ التي تستمد ثباتَها وقوتَها من تقاليد التواصل الدائم التي دأب عليها قائدا بلدينا الشقيقين، الرئيس عبد المجيد تبون وأخوه الرئيس قيس سعيد. ولا نملك في هذا المضمار إلا أن نثمن التوافقات السياسية القائمة بين بلدينا حول أبرز التحديات المطروحة راهناً في جميع فضاءاتِ انتمائنا المغاربية والعربية والإسلامية والإفريقية والمتوسطية.
فَمواقِفُنا مُوَحدة كلما تعلق الأمر بنصرة قضايا أمتِنا العربية والإسلامية، وفي مقدمتِها قضيتُنا الفلسطينية.
وَجُهودُنا مُتكاملة كلما تعلق الأمر بالإسهام في إطفاء فتائلِ الصراع والتأزم، وفي طليعتِها تلك التي ابتُلِيَت بها شقيقتُنا وجارتُنا ليبيا.
ومساعينا مُتجانسة كلما تعلق الأمر بالتصدي لآفة الإرهاب وما يرتبط بها من جرائمَ عابرة للحدود والأوطان.
ومرتكزاتُنا متماثلة كلما تعلق الأمر بالدفع نحو تعزيز اللحمة العربية، وتقويةِ الإندماج الإفريقي، وإعادةِ التوازن المطلوب إلى الشراكة الأورومتوسطية، والسعيِ لاستعادةِ مكانةِ وسلطةِ القانون الدولي، وترقيةِ العمل الدولي متعدد الأطراف، وكذا بناءِ الترابط المُتوازن والمُنصِفِ بين الأمم.
ثانياً، وفيما يخص البعد الاقتصادي:
فالملاحظُ أن قيمةَ التبادلات التجارية وحجمَ الاستثمارات البينية قد سجلت تطورات لافتة تستحق كل الدعم والتشجيع. ومن هذا المنطلق:
نُثمنُ ارتفاعَ المبادلات التجارية بنسبة 42% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهي التي بلغت قيمةً إجمالية تقدر بحوالي 2,3 مليار دولار أمريكي سنة 2024، حيث أصبحت تونس الشقيقة تمثل الشريك التجاري الثاني للجزائر على المستوى الإفريقي.
وبذات القدر، نُثمن تنامي المشاريع الاستثمارية المُتبادَلة من الجانبين، ونرحب بتنوع هذه المشاريع التي لم تعد حكراً على قطاع الطاقة، بل صارت تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى لا تقل أهمية، على غرار القطاعات الصناعية بمختلف أنواعها، بما فيها الصناعة الصيدلانية، والفلاحة، وكذا قطاع الخدمات.
أما فيما يخص ثالثاً وأخيراً، البعد الإنساني:
فقناعتُنا تظل ثابتة من أن هذا البعد يمثل الركيزة الأساسية التي من شأنها ضمانُ استدامةِ ومتانةِ صَرْحِ العلاقات الجزائرية-التونسية أمام أَيِّ اختبارٍ أو تحدٍّ قد يواجهُ مسيرةَ البلدين مستقبلاً.
وهنا نرحب بالخطوات المتخذة لتوطيد الروابط بين شعبينا الشقيقين وتسهيل تحركِ وتَواصلِ مواطنينا، لاسيما عبر تعزيز خدمات النقل البري والجوي، وكذا استئناف رحلات النقل عبر خطوط السكة الحديدية الرابطة بين البلدين.
وما الإقبالُ الكبير للسياح إلا مؤشر على أهمية مواصلةِ جهودنا هذه وتدعيمِها، حيث بلغ عدد السياح الجزائريين الذين زاروا تونس سنة 2024 حوالي 3,5 مليون سائح.
ولا يفوتني وأنا أخوض في البعد الإنساني للعلاقات الجزائرية-التونسية أن أؤكد على الأهمية الخاصة التي أصبحت تحظى بها مسألةُ تنميةِ المناطق الحدودية كأولويةٍ مشتركة للبلدين. فالمناطقُ الحدودية هذه تُعَدُّ نقاطَ التلاقي الأولى والمباشرة بين مواطنينا، وهي تُمَثِّلُ فعلياً وواقعياً جسورَ التواصل التي يَقَعُ علينا اليوم تَقويتُها وتمتينُ أُسُسِهَا، لا سيما عبر مقاربةٍ تنموية شاملة.
إن حصيلة التعاون هذه، وعلى الرغم مما تبرزه من مؤشرات إيجابية، إلا أنها تبقى قابلةً للتحسين والتطوير. فطموحاتُنا وتطلعاتُنا تظل أكبرَ بكثير من المستويات الحالية، وذلك بالنظر للإمكانيات الهائلة والفرص الواعدة التي يَقَعُ على الجانبين العملُ على تثمينِها واستغلالِها على النحو الأمثل. وعلى هذا الأساس:
نحن نصبو لرفع حجم المبادلات التجارية إلى مستويات أعلى، عبر العمل على إزالة كافة المُعَوِّقَاتِ التي تَحُولُ دون ذلك.
ونحن نصبو أيضاً لتعزيز الاستثمارات البينية وتنويعِها، عبر التركيز أكثر على الأولويات التنموية لبلدينا.
ونحن نصبو كذلك للمضي قُدُماً في تحقيق رؤيتِنا الاستراتيجية حول تنميةِ المناطق الحدودية وتحويلِها واقعاً مُعاشاً ينتفعُ منه سكانُ هذه المناطق من الجزائريين والتونسيين على حدٍّ سواء.
ونحن نصبو أيضاً إلى توحيدِ جهودِنا والعملِ سوياً من أجل خلق شراكاتٍ ثنائية قوية تُمَكِّنُنَا من الوصول معاً والانتفاعِ سوياً من الفرص الكامنة في الأسواق الإفريقية والأوروبية.
ونحن نصبو أخيراً إلى تمكين بلدينا من الانخراط بشكل مشترك في الثورات المشهودة راهناً في ميادين الرقمنة والروبوتية والنانوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وكذا الطاقات المتجددة، لاسيما وأن هذه الثورات ستعيدُ لا محالة تشكيلَ ملامح الاقتصادِ العالمي الجديد برمته.
شكراً على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.




