كم كتبت الأقلام والسطور، والمجلات والكتب، عن ثورة نوفمبر، لكنها جميعا، لم تستطع أن توفي حقها المستحق، فشتان بين من يتحدث من مكان التجربة ومن موقع الجرح الذي لم يُشف ومن يتحدث من بروج الأمان.
فالجزائر، جربت سجون الاستعمار الفرنسي الغاشم، وذاقت مرارة كونك أسيرا، وعرفت معنى أن تُغتصب أرضك، وأن يسرق الزمن حريتك، وأن تصافح الموت صباحا مساءً؛ فلا يبقى لك إلا “الأمل”.
أما فرنسا، فقد انغرت بالأيام التي كانت تمر عادية، وتمادت في غيّها، فلم تُبق شيئا إلا وداست عليه، اقتلعت الأرواح من جذورها وسعت إلى استبدال شعب بشعب وهوية بهوية من خلال جرائم وحشية تفوق الوصف وكأن القيامة قد قامت، ورغم ذلك لم تقف على خلفية الظلم والاحتقار، بل وصلت إلى مرحلة تحول فيها قتل النفوس إلى وسيلة تسلية وترفيه، تكتمل بخسارة أو ربح على رهان مواطن اغتُصبت أرضه وحياته، إلى أن جاء شهر نوفمبر عظيما يناسب فظاعة الجرائم التي ارتكبتها.
في شهر نوفمبر، لا بل في ليلة نوفمبرية “ملغمة“، كانت كفيلة بأن تنفجر في وجه الاستعمار الغاشم، لتوقف مهزلة هدر النفوس، وتُغلق فهوة خزان الجراح التي لم تلتئم.
ليلة ألقت بشرارة ثورة لا تزال تستمر إلى اليوم، ضد من يسرق ويبيع الوطن، لأن صكوك الارتياح التي يعيشها الشعب الجزائري اليوم، مُهّرت بدم المليون ونصف المليون شهيد، وهذا ما جعل كل شبر سالت فيه قطرة دم يعجز عن طوي صفحته لا أن تأخذ شبرا منه.
شعب امتحن ثم تعلم، حاله حال “لا يحك جلدك سوى ظفرك” لم ينتظر من يطرق بابه ليستجد به، بل مضى قدما حاملا في قلبه وعلى كتفيه وطنه ليأخذ حريته بنفسه، ولليوم، مهما بلغت محاولات تركيع الجزائر وزعزعة استقرارها، تجد شعبها يفتح صفحة جديدة عنوانها “بالروح أفديك يا الجزائر“.
هذا الوطن لا يبحث عن الأعداء ولا يحب العداوة، لكن جراح قرن ونصف قرن من الزمن من سفك الدماء بوحشية؛ هو رصيد أضخم من النسيان ويعجز أن يفرط فيه إنسان، هو جرح يرفض أن يُشفى وأن يُوارى، لذلك، بقدر ما استطاعت فرنسا أن تنكر، فإنها لا تستطيع أن تفرض على التاريخ أن ينسى، ولا على الأرض الشاهدة أن تُعمى عينها عن آثار الدماء.
حفيظـة بن عيسى




