تفتح الدعوات المتزايدة لزرع شرائح إلكترونية في الدماغ من أجل تعزيز الذكاء البشري نقاشا عالميا حادا حول حدود التكنولوجيا وأثمانها الأخلاقية، خاصة مع تبني شخصيات بارزة في وادي السيليكون، مثل إيلون ماسك وألكسندر وانغ، لرؤى ترى في الدمج المباشر بين الدماغ والذكاء الاصطناعي شرطا ضروريا لمواكبة أنظمة فائقة الذكاء قد تتجاوز البشر مستقبلا.
ويقود إيلون ماسك هذا التوجه عبر شركة نيورالينك، التي أعلن عن رفع وتيرة إنتاج شرائحها الدماغية خلال هذا العام، مبررا ذلك بالحاجة إلى تمكين الإنسان من مجاراة تطور الذكاء الاصطناعي. ويذهب ألكسندر وانغ، الذي يقود برامج متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى حد التفكير في تأجيل الإنجاب إلى حين توفر تقنيات قادرة على تعزيز ذكاء الأطفال، مستندا إلى مرونة أدمغتهم في مراحل النمو.
ويعكس هذا الطرح نمطا مألوفا في وادي السيليكون، حيث تُضخ استثمارات ضخمة في تقنيات لا تزال مفاهيمها النظرية غير محسومة، كما حدث سابقا مع الذكاء الاصطناعي العام. وتبدو واجهات الدماغ والحاسوب اليوم امتدادا لهذا المنطق، إذ تُبنى وعود كبرى على قناعات مستقبلية أكثر من اعتمادها على أدلة علمية حاسمة.
ويعزز هذا الشك ما صرح به ماثيو ماكدوغال، كبير جراحي نيورالينك، الذي أقر بأن العقاقير المؤثرة على اللدونة العصبية أكثر فعالية حاليا من الرقائق الإلكترونية، معتبرا أن الاستهداف الواسع للنشاط العصبي عبر الأقطاب الكهربائية قد لا يكون ممكنا حتى على المدى البعيد. ويكشف هذا التصريح فجوة واضحة بين الخطاب الترويجي للتقنية وحدودها العلمية الفعلية.
ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار هذا المجال مجرد خيال علمي، إذ تشهد صناعة تقنيات الأعصاب نموا متسارعا. فقد ارتفع حجم الاستثمار العالمي في هذا القطاع إلى 2.3 مليار دولار في 2025 بعد أن كان 293 مليون دولار قبل عقد، مع تضاعف عدد الشركات العاملة فيه ست مرات، واستثمار معظم عمالقة التكنولوجيا في هذا المجال، وفق معطيات أشار إليها مارسيلو إينكا، أستاذ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب.
وتتجه هذه التقنيات، كما حدث سابقا مع ابتكارات أخرى، من الاستخدام العلاجي لفائدة المصابين بالشلل أو الأمراض العصبية، إلى تحسين قدرات الأصحاء. فقد طورت شركات مثل ميتا وأبل وكيرنل أجهزة قادرة على قراءة أو مراقبة النشاط العصبي، ما يضع الأساس لانتشار واسع لتقنيات كانت إلى وقت قريب محصورة في المختبرات.
وتقر كارولينا أغيلار، المسؤولة عن شركة إن برين المتخصصة في رقائق الدماغ العلاجية، بإمكانية مساهمة هذه التقنيات مستقبلا في تعزيز الذكاء البشري، لكنها تؤكد أن الأولوية يجب أن تبقى للعلاج والقضاء على الأمراض. ويعكس هذا الموقف حذرا أخلاقيا في مواجهة رؤى تضع تحسين الأداء البشري في صدارة الأهداف دون تقدير كاف للمخاطر.
وتزداد هذه المخاطر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالبيانات، فالدماغ يمثل أكبر مخزن للمعلومات البشرية، ومعظم تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب تركز على فك تشفير ما يدور داخله. ويحذر إينكا من أن الانتقال من تحليل السلوك إلى قراءة النوايا مباشرة قد يفتح فصلا غير مسبوق في اقتصاد البيانات، حيث تصبح الخصوصية والاستقلالية الفردية مهددتين بشكل جذري.
وتتضاعف الإشكالية عندما نضع في الحسبان إمكانية استخدام التحفيز العصبي، ليس فقط للعلاج، بل للتأثير على السلوك والنوايا في سياقات تسويقية أو سياسية. فغياب ضوابط صارمة قد يحول هذه التقنيات من أدوات مساعدة إلى وسائل هيمنة ناعمة على الوعي البشري.
ويخلص هذا الجدل إلى أن الذكاء الهجين بين الإنسان والآلة بات ممكنا من الناحية التقنية، لكن جدواه الأخلاقية والإنسانية تبقى موضع شك. فبينما لا ينبغي عرقلة الاستخدامات العلاجية التي تخفف معاناة المرضى، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن تعميم هذه التقنيات على الأصحاء، خاصة الأطفال غير القادرين على إبداء موافقة واعية، ينطوي على مقايضة خطيرة قد يكون ثمنها أعلى بكثير من المكاسب الموعودة.




