يُنْتَظر أن يصل أول قطيع من الأبقار الأمريكية المنشأ إلى ولاية أدرار يوم 25 نوفمبر المقبل، في إطار المشروع الجزائري-القطري “بلدنا الجزائر” لإنتاج مسحوق الحليب.
ويُعدّ هذا المشروع، الذي يتربّع على مساحة 117 ألف هكتار بولاية أدرار، الأول من نوعه في الوطن العربي وأحد أكبر مشاريع إنتاج الألبان في العالم، ويقوم على شراكة بين إحدى الشركات التابعة لمجموعة “بلدنا” القطرية والصندوق الوطني للاستثمار الجزائري.
ويستهدف المشروع كمرحلة أولية تلبية 50 بالمائة من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب محلياً، والمساهمة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب المجفّف، إضافة إلى توفير اللحوم الحمراء للسوق المحلية.
وهو بذلك استثمار استراتيجي في قطاع الأمن الغذائي الجزائري والعربي، يقوم على إنشاء منشأة صناعية كبرى لإنتاج الحليب المجفف.
ولفهم أبعاد هذا المشروع “الجزائري-القطري” من الناحية التقنية والقيمة المضافة، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالمختص في الهندسة الزراعية والاستشاري الزراعي والمدير التنفيذي لشركة إيتكو فود المصرية، الدكتور أسامة محمد السعدني، الذي أكّد أن مشروع “بلدنا الجزائر” في ولاية أدرار جنوب الجزائر، يمثل رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الاستثمار الزراعي والإنتاج الغذائي، لتضع الصحراء الجزائرية في قلب معادلة السيادة الغذائية العربية.
وأوضح الدكتور أسامة محمد السعدني، في مداخلة لـ”شرشال نيوز”، أن المشروع، الذي يتجاوز حجم استثماره 3.5 مليارات دولار، يجمع بين شركة “بلدنا” القطرية والصندوق الوطني للاستثمار الجزائري، ويقدّم نموذجاً لتسخير التقنيات الزراعية والصناعية الحديثة في البيئات الصحراوية القاحلة، بالنظر إلى موقع المشروع في ولاية أدرار بالجنوب الجزائري.
الأمن الغذائي كخيار سيادي
أكّد الدكتورر أسامة السعدني،أن مشروع “بلدنا الجزائر”،يكمّل سلسلة الإمداد من الحقل إلى المائدة، بما يساهم في تقليص الاعتماد على الواردات وحماية السوق المحلية من تقلبات الأسعار العالمية.
ويستهدف المشروع، وفق الدكتور السعدني، إنتاج 200 ألف طن من بودرة الحليب سنوياً، إلى جانب أكثر من 1.7 مليار لتر من الحليب الطازج.
كما أشار، إلى أن المشروع يضمن زراعة الذرة والصويا والحبوب لتغذية قطيع يتجاوز 270 ألف رأس من الأبقار الحلوب، إلى جانب إنتاج اللحوم الحمراء كمنتوج ثانوي من إدارة القطيع وتجديده، بما يسهم في استقرار أسعار اللحوم محلياً ويوفّر بديلاً عن الاستيراد.
وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور السعدني،قائلا أن “المشروع يتحوّل من مجرد مزرعة كبرى إلى ركيزة غذائية في أحد أكثر القطاعات حساسية (الأمن الغذائي)”.
القيمة المضافة والجودة.. لا مجرد كمية
وأشار الاستشاري الزراعي، أسامة محمد السعدني، إلى أن المشروع لا يكتفي بزيادة الإنتاج، وإنما يرفع مستوى الجودة إلى معايير عالمية، من خلال التبريد والمعالجة السريعة للحفاظ على المكونات الطبيعية للحليب، إلى جانب برامج التحصين والرعاية البيطرية للحدّ من الملوّثات والمتبقيات الدوائية وتعزيز ثقة المستهلك.
وأضاف أن مثل هذه المشاريع الزراعية الكبرى تشمل منظومة لتحويل المخلّفات الحيوانية والزراعية إلى سماد عضوي، بما يعيد خصوبة التربة الصحراوية بطريقة مستدامة، ويغلق دائرة الإنتاج ويحمي البيئة.
ويرى الدكتور أسامة محمد السعدني، أن هذا المشروع يحمل هذه المقاربة التي تجسّد الهندسة الغذائية في أرقى صوّرها، باعتبار أن الهدف ليس الإنتاج من أجل الإنتاج، وإنما إنتاج يحترم صحة الإنسان والأرض.
نموذج للتكامل الزراعي العربي.. من رأس المال إلى التنمية المجتمعية
ويرى خبير الهندسة الزراعية، الدكتور السعدني، أن مشروع “بلدنا الجزائر” يبرهن على أن التّكامل العربي يمكن أن يتحوّل إلى معادلة قابلة للتطبيق، من خلال الجمع بين رأس المال والخبرة الإدارية الحديثة والمساحات الجزائرية الشاسعة والموارد الطبيعية.
ثورة خضراء في قلب الرمال
وفي ختام مداخلته، أكّد الدكتور أسامة محمد السعدني أنّ مشروع “بلدنا الجزائر” يقدّم، في ظل تصاعد أزمات الغذاء العالمية واستخدام السلع الأساسية كأدوات جيوسياسية، نموذجاً يقوم على أن السيادة الغذائية تُبنى على الأرض، وبالشراكة والعلم.
وأضاف، أن الصحراء لم تعد مرادفاً للجفاف والعزلة، بل يمكن أن تتحوّل، من خلال هذه المشاريع، إلى مصدر للحياة وأصل اقتصادي، فيما يصبح التكامل العربي واقعاً ملموساً.
وختم قائلا” إن المشروع ليس زراعياً فحسب، بل يمثّل بداية “ثورة خضراء في قلب الرمال”.
مهدي الباز




